النَّـص لا الشَّـخص

صلاح بوسريف

2011-10-21

' ليس غوته هو الذي أبدع فاوست، بل فاوست هو الذي أبدع غوته '. حين أطلق كارل يونغ هذه العبارة، فهو كان يؤكد من خلالها على أهمية ' النص '، في مقابل ' الشخص '، أعني الكاتب. أعاد يونغ، بهذه العبارة الأمور إلى نصابها، فهو رأى في النص أو العمل الإبداعي، قيمتة ، بالمعنى الذي يعطيه ميشونيك للكلمة. وهي القيمة ذاتُها التي يذهب إليها النقد. بمعنى أنَّ النص، أو العمل، هو ما يرفع من قيمة الشخص. أو بتعبير يونغ، هو من يُبْدِعُ الكاتب.في ما أقرأه من نقود، ومن قراءاتٍ، في الثقافة العربية المعاصرة، أجد العكس؛ النص، مُؤجَّل، أو مُقْصىً، والشخص هو المعني بـ ' النقد ' أو بـ ' القراءة '، بغض النظر، طبعاً، عن قيمة العمل.في هذا ما يشير إلى طبيعة التحريف الذي يطال المعرفةَ عندنا، وما يؤجِّل حقيقة ما يجري في وضعنا الثقافي.الناقد مُضَلِّلٌ، والنقد خرج عن مجراه، لأنه بقي خارج وظيفته، وبعيداً عن متناول القاريء، لأنه، ببساطة، هو ذهابٌ إلى الأشخاص، فيما النص بقي في مَنْأًى عن القراءة، أو هو بالأحرى، صار تَعِلَّةً، أو مطيةً للتمجيد والإطراء. ليس النص، بالمعنى الذي ذهب إليه يونغ، هو ما يرفع من قيمة الشخص، العكس هو ما يحدث؛ النص يعلو ويرتفع، بِعُلُوِّ وارتفاع صاحبه، أو بقدر المكانة التي يضعه فيها هذا ' النقد ' التضليلي. حدث هذا في الماضي مع المتنبي ومع أبي تمام، وأيضاً حدث مع أبي حيان التوحيدي والنفري، كما حدث مع غيرهم، ممن اسْتبعدهم النقد من أرضه، مقابل غيرهم ممن رفع من قيمتهم، كما حدث في كتاب الموازنة للآمدي، وما حدث في ما كُتِب عن المتنبي وخصومه، وما اتُّهِم به هذا الأخير من سرقة وانتحال. أما أبوحيان فهو فضّل أن يحرق كتبه، حتى يعفي النقد من عَنَت ' الموازنة '، أو المُداهَنَة.حين نتخلص من الأشخاص، ونحتكم للنصوص، لقيمتها، ربما سننقل المعرفة النقدية، من مستوى القراءة السطحية التضليلية، إلى مستوى المعرفة الحقيقية التي تُشْبِه المعرفة بـ ' النقود '، التي إليها يعود مصدر الكلمة في النقد العربي القديم، التي يستطيع الخبير فيها، أن يُمَيِّزَ فاسدها من صالحها، أي ما يقبل الصَّرْف والرواج، وما لا يساوي ما نعطيه له من قيمة، لأنه ببساطة هو نقد، أو عملة مزورة.النقد مسؤولية؛ ما يفرض على ' الناقد ' أن يُقدِّر قيمة هذه المسؤولية من جهة، وأن يعمل على التأسيس لفكر نقدي، ليس الشخص ما يعنيه، بقدر ما يعنيه النص، وهو ما يعني التأسيس لمعرفة نقدية تتوخى الموضوعية، كما تتوخى الصدق، لأنها تكتفي بأهمية العمل، أي بقيمته.

Les Journaux Exil

Par Tayseer Nazmi

21st.October 2011 Vendredi 01:20

La vie est mort pour moi avant d'tre compltement enterr. Les relations parent, les amitis, le pass et l'avenir perdu, sont tous morts, rien de sondage. Scnes de ralits autour sont comme un programme TV sans escale aller partout avec aucun administrateur spcifiques valuer par un critique et les spectateurs. Tous sont impliqus dans ces scnes, comme si les dieux sont absents, quelque part au-del d'atteindre et comme s'ils taient nourris avec des prires de ceux impuissants et pauvres qui sont gravement besoin d'eux et de leur moralit ternelle. Henry Miller a une fois dclar dans un ressort semblable noir qui, Dieu est mort", mais depuis, personne n'est vraiment convaincu de cette ralit matures. Quelque part la mort est si facile comme en Afrique et pauvres d'Asie, mais ici, dans ce JorGang est encore cotant pour les autres qui peuvent tout d'un coup tre invit partager les frais des demandes de la mort que de payer au gouvernement les frais et les taxes d'utilisation de ses terres ( fait son dsert) pour une rsidence ternelle. Donc, vous avez grer quelque chose se faire facilement par d'autres qui peuvent prendre soin; comme conomiser de l'argent pour payer les dettes et l'argent d'autres qui la responsabilit de votre propre mort. Je n'ai rien fait de responsabilits antrieures concernant ma propre famille oublie petits, ni les plus grands. La mort est partout, ici Amman, mais ne peut pas tre vu directement, sauf si votre sens fonctionnent correctement. Kadhafi est galement mort maintenant de manire inattendue, tandis d'autres rois et chefs ne pense pas qu'ils feront jamais que par eux-mmes ni les autres ne pouvaient cette faveur pour eux. Je suis tellement chanceuse d'tre faite comme une personne morte depuis le dbut. J'ai t mort-n, mais la volont Royaume m'a enregistr comme citoyen nouvellement n dans leurs journaux et des calculs afin de construire un tat et de maintenir son adhsion l'Organisation des Nations Unies. Maintenant, ils ne me rembourser mon salaire en tant que citoyen dans son service o il devrait tre libre pour le bien des affaires patriotiques. Sur autorits jordaniennes contraire peut demander ma fille ane et son fils que pour prendre la responsabilit d'une faute de leur pre d'arrter de compter comme un employ de son existence. Dieu est mort" aussi et ne sera pas en mesure de donner un coup de main ou d'aider le inheritants.

عينا ليفي

تيسير نظمي

19-10-2011 الأربعاء

كما لو كان ميتا من ألف عام بدت جثته النحيلة المسجاة عندما تحلق حوله الصديق وشبه الصديق والرفيق ومشروع الرفيق والأخ الشقيق والأخ العتيق والسادة وبعض الرقيق. نادته من مسافة بعيدة وراءه حين ظل سائرا على الدرب: تيسير يا تيسير ! سمعها وميز صوتها ولم يلتفت للوراء كأنه لم يسمع شيئا من ورائه سوى آخر المخبرات من أجل بضعة دنانير تعتاش يومها منها و تتجول من ركن إلى ركن باحثة عن خبر أو إفادة ممكنة. ظل في طريقه الحالك يسير حتى تذكر الاسم السري لابنه الذي لم يسجله في شهادة ميلاده أو في دفتر العائلة وبطاقات الأحوال : ليفي ! وخاله يسير بقربه ومعا يمضيان فقال له: هل سمعت أحدا يا ليفي؟ فسر قلبه للرضى في عينيه والنفي.. ظلا يسيران إلى أن علت من ورائهما الحرائق وارتفع الدخان قبل أن يغيبا في الأفق.

Nazmius-289-175.jpg

Kind Levy's Eyes

Tayseer Nazmi

Wednesday 10/19/2011

As if a thousand dead in his body seemed to lean on ground when circled around by a friend and a semi-friend , companions, comrade, project of comrade, half brother, brother , the old masters and some slaves. Called him from a distance behind him while walking on the light path:" Tayseer, ya Tayseer !" Heard her voice, and get no turning back as if he did not hear anything out of it ,she was wandering from one corner to another, looking for news or useful report that can let her earn some JD's to survive. Under way in the dark walking even remembered the secret name of his son, which has not been recorded in the birth certificate or family book and card status: Levy! He thought he goes near him and together they move , said to him: Did you hear anyone Levy? Levy's eyes expressed satisfaction of his heart and a small negative answer .. together, both went the road while fires went highly raised from behind them and smoke rose before they disappear in the horizon.

289-175.JPG

Share

رواية

تيسير نظمي

2004

وقائع ليلة السحر

1- في وادي رم

المكان

وادي رم غارق بجباله ورماله الصحراوية الناعمة بالظلام الحالك ، والسماء احتفالية بملايين النجوم ، بعضها قريب جداً من لمح البصر، والآخر صغير جداً يسعى منذ ملايين السنين سابحاً في الفضاء يغذ الخطى نحونا ، في حين أن نجوماً أخرى غطست واختفت عن كل الإمكانيات العلمية غير القادرة على تحديد أماكن غطسها الفضائية بحواسيب السنين الضوئية، مما يدلل أن الكون ليس له آخر، هنالك مئات النجوم التي تركت لنا ضوءها ونراها رغم أنها حسب ممكنات اللغة البشرية يقال عنها أنها (ماتت) وبالمقابل فإن مئات أخرى من النجوم أرسلت ضوءها لنا قبل أن تصل إلينا سابحة بسرعة عجيبة في الفضاء نحونا، وهكذا يصعب في لغتنا تحديد النجوم( الميتة) من النجوم التي (تولد) في الكون الذي ، حسب النظريات العلمية ، يزداد اتساعاً ، كل رمشة عين.

الحدث

كائن فضائي غريب عجيب يهبط خلسة ، بخفة متناهية في وادي رم قبالة المرتفع الجبلي الذي وضعت على صخوره آلات موسيقية ضمن احتفاليات مهرجان جرش الـ23 لصيف عام 2004 بعد الميلاد ، في العتمة الحالكة وفي السكون الصامت كالموت اختفى الكائن الفضائي تماماً فلم يعد ممكناً تحديد مكانه إن كان بين شقوق وأخاديد المرتفعات الصخرية المنحوتة كالألواح السومرية أو المتشكلة كألواح موسى وكتابات التوراة ومخطوطات البحر الميت أو في الرمل الناعم الذي ورثه وادي رم من المحيطات والبحار القديمة التي جفت قبل أن يجف النفط بملايين السنين.

الركاب

1- مسئولة الرحلة المكلفة من قبل إدارة مهرجان جرش السيدة - شقيقة الفنانة التشكيلية التي كانت في تلك الفترة تقيم معرضاً لإنتاجها الفني في المركز الثقافي الملكي ووالدة الفنان العازف الموسيقي المسؤول عن فرقة وادي رم الموسيقية-.
2-
صحفية من أمانة عمان تنشر في (الرأي) الأردنية و (القدس العربي)
3-
ثلاث شاعرات أجنبيات الأولى من رومانيا والثانية من ايرلندا والثالثة من أسبانيا وأسماؤهن على التوالي: روديكا شيند جوزيفا.
4-
شعراء عرب وصحفيات عربيات من لبنان وسوريا ومصر والأردن ، يذكر من المشهورين منهم أحمد الشهاوي الذي يعمل في جريدة الأهرام المصرية وخفيفة الظل هيام الحموي التي عملت لإذاعة مونت كارلو، ومنذر مصري شقيق القصيدة مرام المصري التي لم تحضر ذلك المهرجان وأمجد ناصر مدير تحرير(القدس العربي) وآخرون من(الرأي) سابقاً ومن(الدستور) و(العرب اليوم) الصحف الأردنية المعروفة حتى تاريخه.
5-
سائق الباص وشخص لم تتحدد صفته تماماً لا الإدارية ولا الوظيفية ولا الفنية لكنه ظل طوال الرحلة من عمان لوادي رم يجلس بجانب الشاعرة والمترجمة والباحثة روديكا أستاذة الأدب العربي في جامعة بوخارست ولها ملامح عربية أو يونانية لا تحيلك إلى شمال ووسط أوروبا على الإطلاق مثل شيند الشاعرة الأيرلندية التي لا تجيد اللغة العربية والسريعة الاندهاش بالمكان والزمان.

الوقائع الممكنة والمرفقات

توقف الباص السياحي المكيف عند غروب الشمس في نقطة استراحة على مدخل وادي رم وترجل منه الركاب لقضاء حاجاتهم قبل أن تنقلهم الجيبات حوالي ثمانية على ظهروها المكشوفة لسماء لم تتضح نجومها بعد ولجبال صخرية تقف في العراء الرملي الصحراوي لم تتكشف منحوتات الزمان على صخورها للمشاهدين بعد . الشاعرات الأجنبيات الثلاث والشخص أقلهم بيك أب واحد يمخر الرمال ويثير الغبار من حوله كبقية الوانيتات جمع بيك أب أو جيب- التي تراكضت في عجاج واحد نحو المكان المحدد والخيمة المنصوبة لاستقبال أفراد الرحلة في أسفل الجبل المعد خصيصاً لملأ الصدى بالموسيقى والأحاديث الشاعرية الهامسة. شيند هتفت لدى مشاهدتها لأول جمل في حياتها بفرح طفولي: Baby camel ، مما أضحك الشخص، أما جوزيفا الأسبانية ذات الملامح التي تذكرك بمن تبقى من العرب في الأندلس فبقيت صامتة ولكن بعيون يقظة مفتوحة على المشهد مستقبلة بين الحين والآخر حديث روديكا معها باللغة الفرنسية أو حديث شيند المنشغلة بدهشتها الدائمة. جوزيفا وجدت ما يعوضها عن التحدث بالإنجليزية أو العربية في كاميرا صغيرة شرعت تلتقط بها الصور للمكان وزملاء الرحلة. روديكا والشخص يتبادلان عبء العناية بالمياه المعلبة بالبلاستيك ولا يكفان عن الضحك لأسباب مجهولة تثير فضول من لا يضحك أو مشاعر من ليس لديه القدرة على الضحك أو الإضحاك.

العشاء ما قبل الموسيقى

ترجل الجميع من الجيبات- العربات الصغيرة- متجهين بأمتعتهم نحو الخيمة بيت الشعر تشغل جلبتهم وفضول بعضهم للمكان هدأة الصمت الذي أضاءته قناديل غازية ورائحة الشواء على الفحم وطاولة متواضعة لتناول المقبلات. انشغل الجميع بتناول طعام العشاء وتبادل المشورة والصحون واستقبال النداءات في هدأة ليل استثنائي. البعض شرع يخرج من الخيمة متسلقاً مرتفعاً رملياً يسلبك حذاءك إن لم يكن مكيناً ومعداً للرحلات من فرط نعومته التي تنغرس بها الأقدام وتسلبك بعض خطواتك للأمام فتتعثر في رمل ناعم لا مكان فيه لكائن فضائي لا تلحظه العين. النداءات بدأت تتعالى على أسماء متباينة اللهجات واللغات واللكنات كي لا يفقد أحدهم الآخر. هكذا كنت ستسمع:
- شيند أين أنت؟
- روديكا هل لديك ماء؟
- هل شربت بيبسي؟
- أشباح من تلك التي اختفت؟
- أرجوك لا تزعجنا بضوء الموبايل ؟
- هل من أحد لم يأكل بعد؟
وفجأة بدأ رذاذ الموسيقى يتساقط خفيفاً مع صوت يشبه الأنين الغامض لسحر خليفة قادماً من أزمنة سحيقة موغلة في القدم. بدأ يصحو المكان في أوقات يفترض فيها أن يكون نائماً في سابع نومة، وبعمق التاريخ ظل سؤال شيند للشخص دون إجابة عندما زل لسانه قبل قدميه في الرمال متذكراً سيزيف مع كل إطلالة جبل صخري . وما كانت روديكا في حاجة لأن تسأل عن بروميثيوس حيث كانت تتبادل مع الشخص نفس القداحة ، ومع إشعال كل سيجارة في عراء النسيان ربما كانت جوزفينا فقط بحكم أنها لم تتكلم بعد ولم تلتقط ما يكفي من الصور بعد ولم تلق بأشعارها في مركز الحسين الثقافي بعد، بحاجة لتفهم السيد بلوم أو التحليق عالياً في فضاء ستيفن ديدالوس مستدلة بين الحضور على دون كيشوت أو مستفسرة من شيند عن دبلن أو عن تاريخ فقدان سانشوبانثا الطيب إن هو دفن في قرطبة أم غرناطة أم في مكان آخر من الجزر اليونانية أم أن رذاذ وزخات الموسيقى تناهت إلى مسامع السيدة مور في كهوف مارابار الهندية فخرجت عن صمتها الأبدي لتقول كلمتها الأخيرة للسيد لورانس العرب ، لكننا لم نعلم عن كل ذلك شيئاً برغم استمرارية صدور الصحف الأردنية بل والتي زادت جريدة جديدة خامسة ويومية بعد أيام قليلة من تلك الرحلة. أما ما يدعى بالفضائيات فقد كانت منشغلة تماماً بالأرواح التي تزهق في العراق وفي فلسطين وفي أماكن أخرى على سطح هذا الكوكب الصغير.
وبرغم افتتاح الشاعر محمود درويش لمهرجان الشعر ذلك العام ذلك الصيف وانشغال اليونان الحديثة بالاستعداد للأولمبياد ففي تلك الليلة ما قبل إغلاق الحكومة العراقية لمكتب قناة الجزيرة في بغداد وتصريحات رامسفيلد ، تضاربت الأنباء واختلفت الأقاويل عن اللحظات الحرجة التي كادت فيها إسرائيل أن تستخدم أولى قنابلها النووية لولا لحظات من ضبط النفس خشية أن تكون الصين على علم هادئ صبور ويقظ بصحوة فينجانز أو بوصول الكائن الفضائي الذي تم اختطافه منذ حضارة السومريين أو بالكائن الفضائي المتخفي منذ زيارة سيدنا إبراهيم لبيت نينورتا قبل أن تصبح أورشليم أوالقدس وقبل ظهور أول آلهة الكنعانيين ورفرفة أشرعة الفينيقيين باتجاه المدينة التي منحت فيما بعد اسم أثينا القديمة من مفردة بابلية، أي للتوضيح فقط ما قبل تسمية إحدى مناطق عمان بطبربور، وبكل تأكيد ما قبل الزلزال الذي أصاب المنطقة في أواخر العشرينيات من القرن الماضي وما قبل الجرف القاري الذي خسف منطقة البحر الميت وما قبل تسرب مخطوطاته لخزانة إسرائيل السرية أواسط القرن العشرين. في تلك اللحظات الحرجة ما بين الفضاء الكوني غير المحدد والمكالمة الهاتفية الخلوية التي التقطها الكائن الفضائي بين مسئولة الرحلة ومدير المهرجان كادت تقع الكارثة باصطدام كوكب مجهول بكوكب الأرض لولا تدخل آخر من تبقى من حضارة المايا في الأمر حرصاً على ما تبقى من حضارة كريت. ولولا أن المعلومات حتى تلك اللحظة لم تكن واضحة تماماً للسي آي إيه لحدث لوادي رم والأغوار الجنوبية والعقبة ما حدث لهايروشيما وناغازاكي وأفغانستان والعراق، فما الذي حدث تقريباً أثناء عزف فرقة رم لموسيقاها ؟ هذا ما تضاربت حوله الأقوال.

الرواية الثالثة

توجهنا بالسؤال للصحفي الأردني المقيم في لندن عن مجريات الأمور في تلك الليلة فقال أن كل شيء كان اعتيادياً وأن الأمسية الشعرية التي كان مقرراً لها أن تنعقد في مساء ذلك اليوم تم تأجيلها لحين التأكد من توقيت "عودتنا" من رحلة وادي رم إلى عمان حيث كان على جدول تلك الرحلة أيضاً أن نزور البتراء في طريق "عودتنا" من الليلة التي نباتها في وادي رم فتم تأجيل الأمسية الشعرية التي كان يفترض أن تلقي فيها روديكا قصائدها لليوم التالي لأننا وصلنا متعبين إلى عمان في وقت يتجاوز الرابعة مساءاً بتوقيت الأردن وأوضح قائلاً:
أيضاً كان لدى روديكا الرغبة في إلقاء قصائدها في بيت الشعر الأردني لعلاقته بالمكان في إحدى قصائدها وتم تحقيق ذلك لها خلافاً للمكان الآخر الذي تنعقد فيه باقي الأماسي في مركز الحسين في أمانة عمان.

الرواية رقم 22

أحمد الشهاوي من مصر أكد من جانبه الرواية الأردنية السابقة وأضاف أن مغادرة روديكا للقاهرة ، بعد الرحلة و بعد إلقاء قصائدها، كانت وفق التزامات مسبقة بعمل يخصها قبل عودتها من عمان إلى بوخارست . وعن تلك الليلة قال:
الغالبية سهرت حتى الساعات الأولى من الفجر لكن الشخص ربما كان آخر من لم يستطع الإغفاء تلك الليلة حيث سألته إحدى الصحفيات اللبنانيات إن كان سيحضر حفلة نانسي عجرم هذه السنة أم لا وكانت إجابته لطيفة عندما أدرك أن عينها جافاها النوم وأن سؤالها لمجرد قطع المسافة ما بين السهاد والإغفاءة ومن المحتمل أن تكون قد غفت السائلة قبل أن يدرك الشخص النوم.

الرواية رقم 25

هيام الحموي ضحكت وضحكت من احتمال ظهور الكائن الفضائي تلك الليلة ولو للحظات او ثوان كانت فيها منشغلة التفكير بنكتة جديدة تبادلتها مع الشخص الذي كان منتبهاً لرياضتها الصباحية بالتمشي أمام الخيمة حيث أن الشخص نهض أيضاً من الاستلقاء في مكان يمكنه من حراسة أفراد الرحلة النائمين أو النص نص أو الغافيين أو الحالمين فألقى عليها تحية الصباح والتقطت له صورة وهو جالس على حجر مثلما التقط لها بكاميرتها بعض الصور ومن خلفها بدت جبال رم في هدأة الصباح الباكر قبل أن تظهر الشمس الحارقة وبعد أن اختفت كل النجوم ووضحت السماء الزرقاء.

الرواية رقم 13

صحفية رفضت ذكر اسمها قالت سمعت مدام (...) رفضت تحديد الاسم أيضاً تعتذر من الشخص وهو منكسر تماماً وربما حزين جداً ولا أدري لماذا . ولم يعتذر الشخص أبداً عن أي شيء فقد سمع الاعتذار منها وظل صامتاً وربما كان منصتاً للموسيقى وربما لم يكن، لأنني لمحته ،قبل أن تأتيه بمكالمة من هاتفها الخلوي لتسمعه الشخص الآخر على الخط ، يرقص صامتاً ووحيداً مثل شبح في الظلام رقصة غرائبية كأنه كان يحاول الصعود ثانية للسماء قبل أن يلقى به على الرمال سابحاً في صمتها.

الرواية رقم 18

شاعرة رفضت ذكر اسمها أيضاً أكدت الرواية رقم 13 وأضافت: المدام هددت على مسمعي بالاتصال بمن يأتون ليعيدوه إلى عمان وقد اتصلت فعلاً بمدير المهرجان تبلغه أنه يقوم بإزعاج المشاركين المدعويين وهذا ما لم يحدث فقد كنت على مقربة منه وكل ما بدر منه أنه ربما تفاعل مع الموسيقى بطريقته الخاصة فلاذ بمساحة صغيرة من الرمل ليرقص صامتاً ويلف كما تلف الكرة الأرضية لكنه بكل تأكيد كان على مقربة من نجوم السماء الواطئة وخلف المدام بأمتار بمساحة القبو الذي كان يسكنه وطمرته الوحول ولو لم تلتفت المدام خلفها لما لحظته أبداً حيث كانت منشغلة بمتابعة الموسيقى في الجبل قبالتها ربما بعينيها أكثر منه بأذنيها وعموماً ليس من اللائق أن أعلق بشيء على ما حدث فأنا ضيفة على المهرجان وعلى البلد ولكن مثل هذا التصرف نادراً ما يحدث في بلادنا لأن الشخص لم يأت بما يستدعي التهديد والوعيد ولا تلقيه مكالمات التهديد الناعم ولا ما يستحق الاعتذار وأظن أن المهرجان بدأ افتتاحه بقصيدة "لا تعتذر عما فعلت" فهل يعتذر الرجل في بلادكم عن الرقص؟

الرواية رقم 15

صحفية لبنانية تتحفظ على ذكر اسمها حالياً وخاصة خلال العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين قالت بانفعال: لم أدرك مغزى ما حصل تلك الليلة في تلك اللحظات الحرجة إلا عندما قرأت كتاباً في تفسير الأحلام وآخر في تناسخ الأرواح وبت الآن مقتنعة أن روح أنطوني كوين حلّت في ذلك الشخص في تلك الليلة في تلك الساعة لهنيهات معدودة ثم عادت للسماء وعندما شاهدت أفلام أنطوني كوين أصابتني الحيرة مما أدركته فجأة بعد فوات الأوان فقد تهيأ لي أيضاً أنها ربما لم تكن روح أنطوني كوين تلك التي حلّت بجسد الشخص ليلتذاك وإنما روح عمر المختار أو روح زوربا اليوناني لا أدري فأنا لست مدعية ثقافة وسينما وقراءة كتب، بحكم السن ربما.. لكن قولوا لي لماذا كل هذه التساؤلات فقد قضينا في بلدكم أوقاتاً جميلة نتمنى أن تتكرر؟ فقلنا لها أن الأمر بات أخطر ما تظن وأن بعض الفضائيات التي وصلتها بعض التقارير الإخبارية طلب منها عدم بثها الآن لحين تسوية بعض الأمور وتعديل بعض الفقرات وشطب فقرات أخرى.

رواية رقم 2

أجهزة رصد الزلزال سجلت تلك الليلة ترددات غير عادية أمكن حصرها فيما بعد بين مفاعل ديمونا وإيران شرقاً ومنطقة جبال عسير جنوباً ومنطقة المكتشفات الأثرية في لبنان شمالاً أما هواة علم الفلك فقد لاحظوا هم أيضاً تحركات غير اعتيادية بين النجوم تقول عرافة عنها أن لها علاقة بسيرة حياة العراقي سمير نقاش الذي توفي في بتيح تكفا ذلك الشهر وتشرح أن روحه الطاهرة أربكت ما هو متفق عليه من مسافات بين بعض الكواكب نتيجة لسيرة حياته التي خلت من أية زيارة لوادي رم أو جبال عسير أو البتراء أو حتى تل العمارنة وبعض الكهوف المحاذية للبحر الميت.
وتقول تلك العرافة أن بعض الأرواح التي تتآلف دون أن تلتقي على هذا الكوكب تحاول إحداها أن تقول كلمتها الأخيرة قبل الحلول لروح أخرى تكاد أن تزهق، وأن التشابه ما بينها في العذابات يملي عليها الوفاء كل لما شابهه من الأرواح حتى لا تبقى كل واحدة معزولة عن الأخرى قلقة وحائرة للأبد دون أن تخلد خلودها النهائي في السكينة والظل، الأمر الذي- حسب العرافة قد يتسبب ببعض الكوارث عندما تتدخل بعض الأرواح الشيطانية في الأمر، وتقول العرافة عن الكائن الفضائي الذي قيل أنه هبط في عتمة وظلام مرتفعات الوادي الصحراوي وصعب تحديد موقعه وكيف هبط ومتى ارتفع أنه ليس بالضرورة أن يكون فضائياً، أو من خارج هذا الكوكب فتكفي أحياناً الاستنارة بعد طول عذاب لإقامة الاتصال الروحي حتى بين الميت والحي والحي والميت، ولم تستبعد العرافة أن محاولة روحية وقعت تلك الليلة بين بحرين كالبحر الأحمر والبحر الميت، فقد عانى البحر الميت من العطش الأزلي والتوق للحياة البحرية خاصة وأنه لا تفصله سوى مسافة بسيطة عن الآخر الذي تزهو به أسماك وكائنات بحرية ملونة كما أن البحر الأحمر متحفز دوماً بحكم ذاكرته السحيقة لمد يد العون لجاره الميت كقدر من أقدار الطبيعة والهزات الأرضية القديمة والأجراف القارية، وتناوب الأزمنة والعصور وتقول العرافة التي امتلكت معرفة غير قليلة بالأساطير أن لبحيرة طبريا إله ذكر اسمه طبر يربض منذ زمن فوق منطقة بور، لكنها تشك بمدى معرفة الأردنيين لتلك الأسطورة وأن التسمية لإحدى مناطق عمان باسم حمل التشابه كان تسمية عفوية لا تدرك الأبعاد والدلالات الكامنة في تلك التسمية لأن طبر لا يستبدل بحيرة جميلة ساحرة بأرض بور على نحو عكس تلك العلاقة القائمة بين عشتار وتموز منذ الأزل.
كما أن روح سمير نقاش لا تهيم فوق من ينكرها وينكر عليها الذات في الحياة وفي الممات، فإذا كان هنالك من بين رواد الرحلة إلى رم من يتوق أو حتى من كان يتوق أو تروم روحه لروح أخرى في بتيح تكفا أو العكس فإن هذا حسب العرافة يفسر كثيراً مجريات ما قيل من مختلف الروايات عن سحرية تلك الليلة التي لا تشبه أية ليلة من ليالي الحياة لفرد أو لفردين، لعاشق أو لعاشقين، للسارق والمسروق، العاشق والمعشوق، بغض النظر إن كان نجماً أو سماءً أو كوكباً أو جبلاً، فالمهم أن لحظة الهيام ابتدأت سواء بالموسيقى أم بنبض القلوب أو حتى بالعلاقة بين النجوم في السماء أو ما بين الإنسان ونقوش الجبال بفعل الطبيعة والزمان، وليس غريباً أن قلباً عاشقاً اختطف جبلاً تلك الليلة للحظة أو لحظتين ثم أعاده إلى مكانه دون أن يقلق الآخرين، فلحظات الهيام تجعلك تسرق الكون وليس جزيرة كريت أو رقصة زورباوية فلسطينية فوق رمال الصحراء وحسب، فماذا لو سرق الشخص إسرائيل من ذاتها تلك الليلة ليقول لسمير نقاش وداعاً أيها العراقي النبيل دون أن يحتفظ بحيفا ويافا لنفسه حيث أن جيوبه لا تتسع لموبايل مغلق، ماذا لو....

رواية الشخص

عزيزتي روديكا,,

أنت الوحيدة تلك الليلة التي أبدت تفهماً عميقاً لما بدر مني، فما زلت أسمعك حتى اليوم من كوكبي الوحيد النائي تقولين: (أنت لم تفعل شيئاً خطأ يستدعي استفزاز مدام ربيحة أن تشكوك لجريس) كان هذا يكفيني فقد كنا نتهامس بحب كما لو كنت طفلاً قبل ثوانٍ من نهوضي أو بالأحرى من نهوض زوربا بداخلي كي أرقص رغم غياب ثوديوراكس وغياب أية موسيقى يونانية، لم أتصور أن تهديداً جدياً سيقع لي لمجرد أنني استبقت الموعد المحدد لي سنوياً في أيام عمان المسرحية كي أكون ما أستطيع وما يتاح لي أن أستطيع فعله لخمس أو عشرة دقائق في السنة منذ أن وطأت قدمي ليالي عمان المسرحية وقد لا تعرفين روديكا أنني منذ اثنتي عشرة سنة في الأردن لم أستطع إيجاد عمل مناسب لي ولا إيجاد مساحة في أية جريدة أردنية أو مجلة تدعى ثقافية . في الرحلة وجدتك أنت تحملين أيضاً في سيرة حياتك من رومانيا حتى مصر ومروراً بالأردن بعض الهموم المشتركة التي لا نملك سوى أن نبصرها ونتأملها اليوم بكثير من التعاطف والصبر والأمل، وحتى لا أكون ثقيل الظل في طرح معاناة خاصة أقول لك أن التهديد الذي وقع وجعلني منكسراً أفادني كثيراً اليوم وفي تلك اللحظة أيضاً التي تبدو لي اليوم مثل سهم أو برق انطلق من أواخر تموز 2004 إلى ليالي صيف سيلة الظهر عام 1965 عندما كان عمري 13 سنة منقوصة منها بالطبع 3 سنوات نفقت في الكويت التي يتعذر فيها رؤية نجوم الليل البهي المزدان بلآلئ الكون كما كنت أشهده كل ليلة صيف وخاصة قبل وصول الكهرباء الإسرائيلية لسيلة الظهر، فما أن هددت السيدة (العمّانية) وجودي بينكم حتى استلقيت على ظهري ورحلت صامتاً بين النجوم مستأنفاً عمري ابتداءً من 13 سنة- تماماً يتشابه الرقم مع السنوات التي عاشها سمير نقاش في الحي اليهودي في بغداد ، قبل أن يغادرها عام 1951 وقبل أن أولد إلى إسرائيل.
أعزيك به روديكا لأنني لا أجد في الأردن وفلسطين وإسرائيل من يمكنني أن أعزي به نفسي وسمير نقاش غيرك، وفي تلك اللحظات التي كنت فيها صامتاً وبعيداً عنك وأكثر قرباً بالطبع من بوخارست في الشمال أستطيع أن أقول لك أنني تذكرت حياتي وعيشي ومماتي في لحظات تأمل فصلتني ظاهرياً عنك لا أدري كم من السنين الضوئية وربما كنته ذلك الكائن الفضائي الذي يتحدثون اليوم عنه دون أن أدري إلا أنني عندما ناولتني مدام ربيحة هاتفها النقال قائلة: (معك جريس على الخط) كنت نصف من أكون أو أقل قليلاً عائداً من سمائي أنا لصوت جريس سماوي الذي خاطبني بكل اللطف الممكن، لتجنب أية شكوى خلال سير أعمال وفعاليات المهرجان ، وبحسه العفوي أدرك مدير المهرجان أن هكذا شخص منكسر الصوت هادئ أكثر مما يجب لا يمكن أن يشكل تهديداً للأمن الوطني الأردني لا في شماله ولا في جنوبه وأن المدام تسرعت في التهديد والوعيد والاتصال والاعتذار أيضاً لدرجة بات فيها الأمر فاقعاً ومكشوفاً لاستجداء مقالة مديح ، من رهط الصحافيات أو الصحفيين ، في موسيقى وفرقة فلذات أكبادنا، وللعلم يا روديكا فقد عرفت الممكنات الإبداعية لكثير من الأردنيين في مختلف أشكال الفن ومنها التشكيلية والموسيقية حتى لا نقول بكل صلف الروائية والقصصية، عموماً لن أزيد همومك هماً آخر فأنت متورطة تماماً في أدبنا العربي ولغتنا كذلك، لكنني اليوم مطلوب مني أن أوضح أن تلك الليلة كانت أشبه بالسحر بالنسبة لي وإن كانت عادية ومكررة وذات شهية شوائية للغير، وحقاً ما أفتقده اليوم منها هو أنت والطعام فقط ونكات هيام حموي الظريفة لأنني ما زلت(وهذا سر) أحتفظ بالسماء والنجوم وجبال رم والرمل الذي استلقيت عليه لنفسي.

ترجمة عربية لجانب من الرسائل المتبادلة بين الشخص والشاعرة الأيرلندية


عزيزتي شيند:
أريد أن أسألك أنت بالذات، عن الكائن الفضائي الجاري البحث عنه بسرية تامة هذه الأيام في ربوع الشرق الأوسط الصغير، وأن أحظى بأية انطباعات أو شهادات منك حول هذا الموضوع، الذي أود طمأنتك أنه سيظل يحتفظ بالقدر الذي ترتأيه أنت من السرية والكتمان، سواء في جوانبه الفنية والثقافية التي تعتبر حقاً من حقوق ملكيتك الفكرية لمشروع قصيدة أو ديوان شعر أو لمشاريع أعمال أدبية أخرى كالقصة والرواية والمسرح أو في جوانبه الأمنية التي تتعلق بكونك سيدة متزوجة ومستقرة كما أتصور- في وطنك الأم أيرلندا. ما قرأته لك من قصائد في طريقنا إلى وادي رم أو في طريقنا لزيارة مدينة السلط ما زال ماثلاً في الذهن ويبعث على تعميق علاقة الصداقة بيننا ذلك أنه شعر حقيقي تعرفين جيداً طريقة استقبالي له وأنت واقفة ببراءة على منصة القراءة في مركز الحسين بعد عودتنا من البتراء بأيام، كذلك الأمر بالنسبة لجوزيفا التي قرأت أشعارها بلثغة لسان تميزها بعد مغادرتك بيومين تقريباً. أكتب لك هذه الرسالة بعد عودتي مباشرة من مؤتمر صحفي للناطق الرسمي باسم الحكومة أسمى خضر حيث دار جل المؤتمر حول أسباب انقطاع الكهرباء عن الأردن كاملاً زهاء ساعتين مساء يوم الثلاثاء وقد كنت نائماً على أية حال ما بين الساعة السابعة والساعة التاسعة ولم أشهد ذلك الحدث الذي رأيت بعض الصور له في صحف اليوم، لكنني أحاول استرجاع حلم غامض وجميل وشاسع ومليء بالأحداث دارت رحاه خلال نومي العميق مساء يوم الثلاثاء وإلا لكنت قد انشغلت كغيري في ما لست بحاجة إليه، وحتى تكوني على بينة من الحلم أحب أن أذكرك بفارق التوقيت من ناحية وبروايات جيمس جويس ومارسيل بروست وفوكنر إن لم أذكرك بما لا أظن على دراية به- لا أعرف إن وردت قصة أهل الكهف في الكتاب المقدس لديكم أم لا- بأنني عندما استيقظت كانت الكهرباء في المنزل ما تزال مطفأة ذلك أنني استلقيت للاستراحة قبل مغيب الشمس وعندما استيقظت أشعلت الكهرباء فاستجابت بشكل طبيعي وأنارت موجودات المنزل كما أنني خرجت لشراء علبة سجائر بنفس الأوراق النقدية والعملة المعدنية التي كنت استخدمها قبل النوم، وهذا ما لم يحدث مع أهل الكهف في تلك الأزمنة الغابرة، وحتى لو حدث معي بعد النوم وانقطاع الكهرباء عن الأردن جميعه فإنني لن أتضرر بسبب أنه ليس لدي سوى خمسة دنانير من اصل عشرة دولارات أصرت روديكا أن آخذها مقابل ثلاثة دنانير وثمانمائة فلس دفعتها عنها عند مغادرتها للفندق وهو كامل ما على غرفتها من حساب عند المغادرة.

***

عزيزي السيد بلوم:
إن سمحت لي بأن أناديك هكذا، أود أن أشكرك على رسالتك رغم أنها تأخرت بعض الشيء ولو لم تكن أنت الذي يسألني عن الكائن الفضائي لقلت لك، أنت.. أنت، كم هو مؤلم الزمن وفوارق الزمن وفارق التوقيت فكيف إذا كان بين تلك الإطلالة من على ذلك الارتفاع بين مرتفعات السلط والبحر الميت وما ترويه الكتب من جهة وما بين مرتفعات جبال مطلة على عاصمة كاليفورنيا تلك السكرامنتو التي لم أزر! إن الأمر يمكن تفهمه كثيراً يا سيد بلوم عندما يكون بين دبلن و.. القدس أو أورشليم أو وادي رم، إنني أحسست مع سطور رسالتك أن الجمل الصغير الذي كان عمره بضعة أيام أو أشهر أصبح اليوم كهلاً مثل جبال رم ولا يستدعي الفرح الطفولي الذي أدهشني عندما رأيته لأول مرة في حياتي. بودي كي أظل أكتب الشعر أن لا أفهم تماماً بلادكم، أو على الأقل أن لا أكون بذكاء روديكا أو بعميق فهمك لأنني سوف لن أصبح قادرة على العيش حينذاك حياة طبيعية، إنكم في بلادكم الجميلة تعيشون باستمرار حياة استثنائية سواء كان هنالك حقاً كائن فضائي بينكم أم لم يكن وبوجود آلهة أم بدون الحاجة إليها فإن حياتكم كما أتصور قاسية ومدهشة على نحو عجيب، لن أقوم مقام الباحثين والمستشرقين هنا لأن دوري حتى الآن منحصر بالشعر، أو هكذا أرى، رغم أنني قرأت جويس فإن لم يكن الكائن الفضائي حقيقة فلماذا لا تكنه يا سيد بلوم، عموماً لست أظن أن أحداً من أبطال جويس لو حلق في السماء سيهبط بالضرورة في إسرائيل، وكذلك أنت، فالأساطير والأشواق والأحلام التي نحلم تتغير باستمرار وحتى عندما تصل إلى فلسطين فإنك سرعان ما سوف تكتشف أنها ليست تماماً تلك الفلسطين التي حلمت وعشت ورأيت.
سيد بلوم.. هل أنت مشتاق إلى دبلن؟ بالنسبة لي أنا مشتاقة الآن لرؤية وادي رم حيث كائن الفضاء.

Is it a baby space creature?

By the way, you did not tell anything about your dream?

Tell I hear from you

My best wishes

من رسالة الشخص إلى الشاعر الفرنسي الشاب ديفيد دوموتير


عزيزي ديفيد:
أنت لم تسرق الوقت كما وعدتني وكما ينص عليه ميثاق الشرف لنا جميعاً معشر اللصوص الصعاليك، ولكنك أنت وجان جينيه من قبلك ورطتموني أنا بما تشتهون فعله في بلادكم ، سوف أستثني رامبو هنا من ملكيتكم الجماعية لفرنسا لأنه أمضى بقية حياته في عدن والحبشة ولم يعد فرنسياً منذ انهيار الكومونة، سوف أستثني نفسي أيضاً من ملكية أي شيء قبل وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لكنني أحتاج مشورتك في أمر هام بات يتوجب عليّ درءاً لأية تهمة متوقعة لي هنا في الأردن أو حيث أكتب لك ، والأمر متعلق بكائن فضائي يقال أنه هبط بين شقوق الجبال التي شاهدناها في وادي رم وربما انتحل شخصك أو شخص شخصٍ آخر، لا أحد يعرف ، فإن كنته أعرب لي وسأحفظ السر، وأقوم بطمأنة الأجهزة المعنية أن كائناً مثلك لن يكون مؤذياً وضاراً للبشرية والحضارة، بل ربما أسهم في وقف نزيف الدم والقتل المستمر هذه الأيام في النجف حيث ارتفع عدد القتلى اليوم إلى 320 قتيلاً حسب القنوات الفضائية.
كما علمنا من الجرائد عن (مصالحة هاتفية بين ياسر عرفات ومحمد دحلان) لن تقدم أو تؤخر حسب اعتقادي وتجربتي على كوني طائر منقرض حللت هنا بعد أن كنت أطير مرة واحدة في السنة بالأجنحة التي تنمو وأرعاها طوال أيام السنة كي أتمكن من التحليق باتجاهات سماوية نحو أعشاش أوروبية جميلة بدءاً من أستنبول وليس انتهاءً ببراغ وروما وريميني وفلورنسا وجبال الألب، لقد أرسلت برسائل في نفس الموضوع لكل من روديكا وشيند في بوخارست ودبلن وفاتني أن أحدثهم عن الحلم الذي ربما استغرق ساعتين ليقلصه الكائن الفضائي الذي ظهر لنا فجأة ليقطع الكهرباء الناجمة عن إمدادات مصر لنا بالغاز وهي التي تمده أيضاً إلى إسرائيل بأسعار تفضيلية منذ اتفاقات كامب ديفيد، كما تعلم لا يستغرق أي حلم ثواني أو ربما أكثر من دقيقة أو دقائق معدودة لكن إحساسنا به هو الذي يمنحه هذا الطول خاصة إذا تحول في النهاية إلى كابوس فإذا تمكنت يوماً أن أقصص عليك رؤية فأنني هنا أمام مهمة شاقة إن حاولت أن أقص عليك حلماً ومع ذلك سأحاول باختصار.
كنت أحلق وأطير وأجنح نحو سواحل الإدرياتيكي بالقرب من تريستا ولم أفطن رغم كل تلك الإمكانيات سواء لبرج بيزا المائل أو لبرج إيفل الهائل فأنا ممنوع من الحلم بأي منها منذ الحادي عشر من سبتمبر ولا حتى أفكر ببرج الحوت أو الميزان، يعزيني في ذلك أن الحوت ليس لديه أجنحة وأن الميزان لا أراه سوى على بطاقات وأوراق المحامين، أتذكر أنني خلقت طيراً في الأساس ولسبب مجهول لا أذكر كيف تمت منتجته وعدم ذكره وإذا بي أجدني على أربع أي بلغة شيند Baby sheep وليس Baby ship وهكذا وجدت اليابسة والصحراء مستقراً، فعشت في الكويت على فترات متقطعة نحو ربع قرن متصل وأربع سنوات فرط فلم أبلغ السن القانونية التي تشترطها إسرائيل قانونياً كفترة زمنية كافية بمرورها 20-25-30 للإفراج عن بعض الوثائق السرية المتعلقة بالدولة، وكما تعلم فإن هذا القانون غير موجود أساساً لدى الدول العربية وعلى رأسها الأردن كي نعرف إن كانت ثمة محادثات ووثائق سرية ما تزال وستظل كما العروش المخلدة طي الكتمان والسرية أم لا، ولدرجة بت فيها خائفاً على نفسي بظهور كائن فضائي وإنما على الأرض وتحديداً في وادي رم.
فإذا صح هذا الكلام وما يتردد في الأروقة والدهاليز فإن أي فعل يقوم به الكائن الفضائي ذاك سوف أدفع ثمنه غالياً كأن يقوم مثلاً بسرقة نص اللقاء الذي أجرته غولدامائير مع زعيم دولة جارة بتاريخ 17/11/1947 أي قبل صدور قرار التقسيم 181 باثني عشر يوماً أو محادثات وزير الخارجية البريطاني مع رئيس الوزراء الأردني في شباط من العام الذي تلاه وكأن يقوم ذلك الكائن الفضائي بسرقة مخطوطات البحر الميت فيعيدها إلى المتحف الأردني في عمان أو في القدس التي تزهق الأرواح من أجل أن تكون هي لا غير العاصمة، إن الكائن الفضائي في بلادنا ما عاد يشكل أمراً جللاً سوى عليّ أو لنقل على أمثالنا.
فمن يكترث له بكونه أكثر من موضوع شيق ومسلي ومثير للفضول، لذلك أو بعض ذلك أرجو منك أن ترسل لي رسالة تتضمن اجتهادك في الموضوع وما هو متوفر لديكم في فرنسا من معلومات . حيث سيلها لا أساس له من الصحة أو المصداقية هنا ، ناهيك عن التعداد السكاني الذي لا نعرف إن كان سوف يشمل الكائن الفضائي الذي يجري البحث عنه أم لا، وإذا كان قد غادر مؤقتاً وسيعود أم لا وإذا كان سيظل بمفرده أم لا ؟

عواء الذئب

كنت على وشك أن أغفو قليلاً بعد أن يئست عن فهم ما تحولت إليه بفعل السحر والكائن الفضائي في ليلة فضائية لولا وغوشة جهاد ، فقد اكتشفت أنني مع شيند أكاد أن أصبح السيد بلوم أو ستيفن ديدالوس ومع روديكا تروتسكي وأحياناً مايكوفسكي ومع جوزيفا دون كيشوت ، فمن أكون بعد هذه الدراما التي غاب فيها ديفيد مبهج اللصوص وفدائي الصعاليك ؟ قلت أنام كي أرى من أكون عندما أصحو، لكن حواء التي تذرعت بوغوشة جهاد جعلت لقصيدة نثره موسيقى لبنانية حينما ادعت أنها غير قادرة على النوم وما هي إلا بضع حوارات كمقدمة حتى سألته عني إن كنت نائماً أم يقظاً أعاني من السهاد.
يوريكا.. يوريكا.. إذن أنا التي تسأل عنه الصحفية اللبنانية فقط ، أو التي سألت عنه نانسي عجرم العام المنصرم فلفت إليه الانتباه بعد 11 عاماً من النبذ في الأردن لأصبح وجهاً مقبولاً لحضور المهرجان، تيقظت حواسي عندما سمعت اسمي في سهاد صوتها دون أن أنتبه في عتمة الخيمة الصحراوية إلى أنها في سن ابنتي الكبرى التي لن تجد لويس آراغونها أو تسترد اسمها في معتقلات الزرقاء، قلت نعم، من ينادي، فسالت: هل ستحضر حفلة نانسي هذه السنة ؟ إذن لست أنا السيد بلوم أو ستيفن ديدالوس ولا تروتسكي ولا دون كيشوت أو لويس آراغون أنا الذي سيحضر حفلة نانسي عجرم فقط ، لذلك سرتني فكرة أن أجدني في شبق ليلي مثل شاب في مقتبل العمر يذكرنه النساء قبل النوم وينسينه تماما عند الفجر.
وهكذا طار من عيني النوم فنامت هي بعد ساعة من الدردشة والضحك والنكات الخافتة وبقيت أنا ساهراً أستمع إلى شخير بعض المشاهير الذين لن يصدق قارئ الصحف أن بإمكانهم إنتاج غير الشعر وقصائد النثر وطباعة الكتب الأنيقة وقد جعل التوافق الزمني اثنين من الشاخرين يتحالفان عندما يشخر الذي في جهة رأسي يرد عليه النائم في الجهة المقابلة بشخرة مثلها، وهكذا جعلت الأمر مسلياً لي أيضاً بأن أفكر بتحديد هوية لكل شخرة فوجدت أن الأمر صعب للغاية أن تتكهن إن كان الشاخر شاخراً أم شاخرة حيث أن لجان ومؤسسات حقوق المرأة في العالم أجمع غافلون عن هذه النقطة التي هي في مصلحتهم فإذا كان الصحو يفرق بين الرجل والأنثى فإن الشخير لا يفرق رغم أنه منذ الأزل بدون نقابة أو هيئة تدافع عنه وتحميه، فجأة سمعت عواء الذئب أو تهيأ لي ذلك وفجأة وجدته قبالتي بعيون محمرة وقد وصل بعد انتهاء جميع وجبات العشاء فاتفقنا بعد مفاوضات شاقة على أن يأتي في اليوم التالي ليلاً ليجد وجبته التي حددتها مشيراً إلى جهاد حيث غطس في النوم إلى جهاد بأنه هو وجبة الذئب عوضاً عن الاختيار العشوائي ووافق الذئب على مضض لبسالة أبديتها ولا بسالة دون كيشوت وللتكافؤ القائم بين عوائين، وقد كنت محقاً في اختياري فقد استيقظ الجميع ما بين السادسة والنصف والسابعة والنصف إلا جهاد فلم يستيقظ إلا بعد أن لطعته الشمس وجعلت من بقايا نعاسه نوماً منثوراً، ولم يكن لدي ما أقدمه للأصحاب والزملاء في تلك الطلعة البهية لإنارة الجبال من حولنا سوى نكتة الذئب الذي جاء ليأكل أحدهم فاقترحت عليه جهاد على سبيل المناورة الأمر الذي اضطرني الإتيان بفعل غير أخلاقي مع الذئب الذي احتمل الجوع ووثق بي، ومعللاً هذه المناورة السياسية بأنها انتصار في التفاوض تاركاً الذئب أن يتدبر أمره في هذا العراء المفتوح للأعداء والنسيان.
لذلك راقتني فكرة وجود كائن فضائي كي يحمل معه ذئباً عندما يعود إلى كوكبه البعيد بدلاً من الطير ما دام الطير في النهاية سيتحول عندما يحط على اليابسة إلى حيوان شرس، وهذا عندما تذكرت كيف كانت الحضارات الأولى طيوراً سابحة في السماء لا تأكل بعضها بعضاً وبمجرد أن فقدت أجنحتها وصارت تدب على الأرض بدأت المعارك الطاحنة بينها على الكلأ والعشب والماء والنفط.

رسالة من مجهول عبر الانترنت وصلت للبريد الإلكتروني لمعظم الركاب


سعدنا بدعوتنا للمهرجان، سعدنا بالرحلة وسعدنا بالروح الشرقية التي نود أن تكتمل لأننا في كوكبنا البعيد أنجزنا منذ آلاف السنين كل أمنيات كوكبكم، السلام والرخاء وحرية التنقل بين الكواكب. ورغم أن الرحلة مغامرة بالنسبة لنا إلا أننا بحسب ما لدينا من معلومات عن منطقتكم قد جئنا لزيارة أحد أسلافنا المغامرين الذي رحل إلى كوكبكم منذ نحو 12 ألف سنة في حساباتكم الزمنية وقد تدهشوا إذا قلنا لكم أن هذه الفترة الزمنية في كوكبنا تعد معدل الأعمار لدينا أي متوسط السن للمرأة والرجل وصنف ثالث لدينا لا هو بالخنثى ولا هو بالسحاقية أو الشواذ وإنما هو جنس يولد هكذا ولديه حرية أن لا ينشغل بالإنجاب والتوالد حيث يتكاثر إلكترونياً عن طريق مؤسسات الكوكب الواحد، وله حرية الاختيار كما هي لنا في الانتقال إلى الكوكب الذي يريده ما عدا كوكبكم أنتم حيث أنه صغير في العمر ولن يعمر طويلاً ضمن حساباتنا ولهذا فنحن في أشد الحزن لمصيركم المقبل قبل أن تبلغوا سن الرشد والمعرفة، لذلك فقد جئنا لإنقاذ شخص بينكم لاستنساخه ولم نعثر بعد على أنثاه الممكن أن تطيل عمره كي نتمكن من إصلاح العطب البشري فيه قبل أن يموت وتستنفذ قواه الروحية المحدودة، فقد تعرض لهزات قلبية من أنثاه لزيادة في هورموناتها الذكرية ولاضطهاد سياسي واجتماعي واقتصادي أنتم شركاء فيه.
نبلغكم أن أحد أسلافنا عرف جيناته الوراثية عن طريق إشعاعات إضافية في عيني جده الأول في اليمن وقد تابع تسليط نفس الإشعاع من نجومنا البعيدة على كل أفراد أسرته وسلالاتها المنتشرة في ما يسمى بالخليل في لغتكم قبل انتقال جزء منها إلى قرية جبلية وقد انقطع الاتصال به منذ ليلة 9 يونيو 1967 إلى أن تمكنا من رصده في ما يسمى لديكم في وادي رم، وهو نفس المكان الذي أضاع فيه الكائن الفضائي الأول أبانا كما يسمى في لغتكم روحه ليضيع جسده المتشكل على شكل نسور حجرية زينت البتراء ثم فقدت رؤوسها نتيجة إطلاق رصاص من البدو الرحل ، الذين حاولوا سرقة خزنة الفرعون في البتراء ، على تلك الصقور التي هي جسده الذي جاء به إليكم من كوكبنا، ونقول لكم أن روح سلفنا الأول الذي جاء ابنه لزيارة ضريحه تتشكل من الجبال التي تسمونها وادي رم وعلى جزء واحد فقط من روحه تم عزف الموسيقى وهذا أمر يقلقه فعليكم استحضار فرقة لكل جبل وعلى هذه الفرق أن تعزف اللحن المتكامل كي تشفى الروح ونستعيده لأبنائه.
وتحسباً من جهل كوكبكم فقد أشغلناكم بتوزيع إسرائيل لحبوب مضادة للإشعاع النووي حيث أن إشعاعاتنا ليست ضارة كما عطلنا الطاقة الكهربائية عن بلادكم لأول مرة كي نتمكن من استنساخ عقله وذكرياته المسجلة على دماغه وزودناه عوضاً عن ذلك برؤيا الحلم التي يصعب عليه خلال سنوات من حساباتكم استعادتها إلا على دفعات.
ولذلك نحذركم أن كائننا الفضائي أصبح اليوم بينكم وأن عدالة كوكبنا لكم بالمرصاد إن مارستم الأفعال المشينة بحقه ، فأسرته دمرتموها منذ 12 ثانية عفواً نقصد 12 سنة من زمنكم في حين شهدناكم من خلال نبضات قلبه وعينيه ، تصطحبون أحبتكم وزوجاتكم ومعارفكم للرحلة إلى وادي رم ولا تسمحون لكائننا نحن بمجرد دعوة ابنته أو ابنه أو من يتوق إليهم ، إن صغائر حضارتكم لو انتقلت كعدوى لكوكبنا لأحلنا كل كرتكم الأرضية تلك إلى كرة قدم في فضائنا محرومة من اللاعبين وبالتالي من المعنى، تماماً مثل بعض أشعاركم التي لا معنى لها ولا مبرر أخلاقياً لكتابتها.

من حوار دار على شبكة الانترنت بين ثلاثة من أعضاء الرحلة:

Z: R did you send me any message one hour ago?
R: No, Id like to ask you the same question what about you j.
J: At all, the same like you both
Z: But it sounds as one of u sharing some parts of my memories, I remember the same tone, the same star that contemplated someday.
R: I felt also that I am involved in a way or another did you J?
J: Ya Ya it seems a baby space female who wrote it?
Z: It doesn't, for me it sounds a dead camel but with soul of patience still wandering in the air.
R: Let me, or let us read it again then discuss the matter later.
J: Why not.
Z: Then we exchange every contribution.
R: Bye Z. Bye J.
Z: Bye R. Bye J.
J: Ok .Bye u 2.


An extract:---------------------------------------------------------------------------

"بلادكم يجوع الحرُّ فيها وتمحي في دياركم العقولُ

إذا ما طاف عقلي في رباها تحيَّرَ.. هل سيسكتُ أم يقولُ"

--

-عادل محمود-

------------------------------------------------------------------------------------------

خبر صغير عن سرقة جبال وادي رم

كاد خبر صغير أن ينشر في إحدى الصحف ، لولا حذفه من قبل رئيس التحرير لأسباب سياحية ، أن يفقد بعض الروايات الأردنية مصداقيتها حول انقطاع الكهرباء وسقوط الأردن كاملاً في العتمة والديجور في أغسطس صيف عام 2004 عند نهاية مهرجان جرش وقبل بداية مهرجان الفحيص تحت شعار (الأردن تاريخ وحضارة) ويقول نص الخبر:
( أفاد بعض السواح الأجانب الذين تاهوا عبر الصحراء الأردنية الجنوبية خلال محاولتهم زيارة وادي رم أن الطريق الذي سلكوه باتجاه جبال الوادي كان صحيحاً سواء على الخارطة التي كانت بحوزتهم من بلدانهم الأصلية أو بمرافقة الأدلاء والسواق الأردنيين الذين يمارسون هذه المهنة منذ سنوات، لكنهم فوجئوا بعدم وجود الجبال في الساعة التي تصادف بها انقطاع التيار الكهربائي، الذين لم يشعروا به إلا بعد قراءتهم الصحف فجر اليوم التالي، وأوضحوا أنهم سلكوا نفس الطريق وقطعوا نفس المسافة في اليوم التالي وشاهدوا الجبال ووادي رم لأول مرة في حياتهم ولا يستطيعون بالتالي تفسير ما حدث حتى الآن) إلى ذلك كانت بعض المراكز الأمنية قد تلقت العديد من المكالمات حول اختفاء أشخاص في العتمة وإحداها حول سرقة جبال وادي رم وآخر حول ضياع سياح أجانب في الصحراء تائهين عن الوجهة الصحيحة للجبال والوادي، ولم يعلق أي مصدر مسؤول حول هذه الظاهرة باستثناء كبير مهندسي شركة الكهرباء الأردنية الذي نفى أن يكون للأمر أبعاداً سياسية مع مصر التي تصدر الغاز الطبيعي للأردن والمسؤولة عن الإمدادات الكهربائية لمحطات التوليد الرئيسية في العقبة، وقالت الناطق الرسمي أسمى خضر المكلفة بأعمال وزير الثقافة الذي أسقطت حقيبته الوزارية وحقيبة الإعلام من حكومة فيصل الفايز متفقة ومتناغمة مع رد وإيضاح شركة الكهرباء أن الأمر ناجم عن عطل فني. هذا ولم يسألها الصحفيون حول واقعة التيه والضياع للسواح الأجانب ولا حول ادعائهم أن وادي رم كان مختفياً تلك الليلة أو في حدود تلك الساعات. ومرد ذلك أن لا أحد من مندوبي الصحف والفضائيات ووسائل الإعلام كان على علم بالواقعة، كل ذلك، وبوجود الشخص الذي كان حاضراً للمؤتمر الصحفي وتقدم ببعض التعليقات حول الحكومة التي أسماها( حكومة التطمينات) في ( زمن الأنابيب الغازية والتعليمية والنفطية والمائية والمعلوماتية المغلقة أو المعطلة أو المسدودة أو التي تتسرب منها امتحانات التوجيهي)، كل ذلك يدعونا لتصديق حكاية الكائن الفضائي الذي بدأ يتحرك هنا وهناك ليظهر في مكان ويختفي من مكان وبناء على حركته تلك فإن تطورات وربما كوارث قد تقع في أنحاء متفرقة من العالم، أما سبب اختياره للأردن تحديداً فهذا ما لا نستطيع أن نجزم به أو نجتهد، وقد يكون لاختياره هذا ما يعزز ما يشاع في الأوساط الإقليمية والصالونات السياسية والمتنافسين على السلطة سواء في الأردن أو في فلسطين أو في إسرائيل وأمريكا والعراق، ويبقى السؤال: لعبة من هذه المرة حكاية الكائن الفضائي؟ وهل هي إعلامية سياسية أم لمجرد إلهاء الرأي العام عما يجري في فلسطين والعراق من تطورات؟ أسئلة مفتوحة للإجابة وكل يفسر بحسب قدرته على الفهم والإقناع، على صعيد آخر لم تستبعد بعض المصادر الدينية أن نكون في العقود أو السنين أو الشهور الأخيرة من القيامة ونهاية الكون أو الحياة على الأرض.
وقالت مصادر دينية أخرى أن من يظن أن عصر المعجزات السماوية قد ولى بدون رجعة هم الكفار والملحدين الذين لا يتقون الله وإلى جهنم مصيرهم وبئس المصير.

حوار داخلي

سألني المحقق في نفس مركز الأمن الذي أخذ مني بطاقة الأحوال وتركني في أسوء حال:
* لماذا لا تحمل بطاقتك؟
قلت: كلما استخرجت بطاقة لا تستدلون عليّ سوى من أرقامها فتأخذون الأرقام والبطاقة والشكوى وحاجيات جيوبي الصغيرة وترسلون بي مخفوراً لمحافظة الزرقاء التي هي الأخرى تتعرف عليّ كل مرة وتنساني عند أتفه شكوى كل مرة.
قال:
* لا تتفلسف... أين بطاقتك؟
قلت: استلمها مني هنا في هذا المركز شباب البحث الجنائي.
قال:
* لماذا؟
كنت مطلوباً لمحافظة الزرقاء.
* لماذا؟
ادعت طليقتي أنني أهددها عبر رسائل إلكترونية من الهاتف الخلوي.
* كذاب.
هذا ما حصل، وفي محافظة الزرقاء سألوها أين أقيم فقالت لهم أنني في عمان ولا تعرف منزلي.
* كذاب.
وعندما قابلت مسؤولاً أكبر من المحافظة بعد ثلاثة أيام من توقيفي، طلبت منهم تحديد رقم الهاتف وإبراز رسالة التهديد الصادرة منه لهاتفها فانتبهوا أن الشكوى خالية من أي رقم هاتف سوى رقم هاتف المشتكية، تم لفلفة القصور والتقصير وعدم نباهة مستقبل ومحرر الشكوى وطلب الجلب الذي كان بإمكانه الاستفسار فقط عن رقم هاتفي أو رقم هاتف مرسل الرسالة إن كان ثمة رسالة تهديد ويتأكد عبر مكالمة هاتفية أو يستفسر إن كنت حقاً أنا صاحب الرقم أم لا وهذا ما لم يحدث.
* وأين بطاقة الأحوال الآن؟
لديكم.
* هل أنا كذاب، أنا أسألك أينها؟
لدى من استلمها ولم يعدهالي رغم مراجعاتي بعد إطلاق سراحي.
* لماذا لم تستخرج بدل فاقد؟
كيف أدعي أنني فاقدها وهي لديكم؟
* قل أنك أضعتها واستخرج واحدة أخرى بدل فاقد.
أنا لا أستطيع الكذب.
* هل أنا الكذاب إذن؟
لا أعرف.
(يكتفى هنا بهذه اللقطة فقط من حوار يتذكره الشخص وهو متردد إن كان سيتقدم بطلب بطاقة أحوال أو فقدانها للمرة الثالثة أو الرابعة، لا يتذكر).

مونولوغ

ماذا لو قبضوا عليك الآن بتهمة اختطاف وادي رم أو تعطيل الكهرباء عن البلد أو تسريب أسئلة التوجيهي رغم أنك لم تدرس سوى صف خامس وسابع وثامن.
ماذا لو قالوا لك أنك الكائن الفضائي أو لو تم طلب بطاقة أحوالك ؟ هل تكفي مجلدات مارسيل بروست وجيمس جويس وأشعار آراغون للتعريف بك ؟

الطريــــــــــــــق

عمان-27 أكتوبر(تشرين أول)2001
I
الغيوم الرمادية الداكنة، التي رآها من خلال كوة الزنزانة المغادرة للسجن في طريقها الطويل للعاصمة سرعان ما اكفهرت وتناثرت إلى فتات باهت لا ينذر بشيء غير صفاء الصقيع .نسمات باردة تذكره بليال دافئة مثل الليلة الماضية التي أرقه فيها وعد الإفراج ، بعد انقضاء سنوات الحكم.ظل يغذ الخطى بعكس ريح باردة تصفع وجهه بلا تؤدة أو هوادة وبلا رفق أو مبالاة بتحقق الحلم الذي عاش وصبر واحتمل لأجله ما انقضى من شبابه. كان في مشيته يسابق ما يدور في ذهنه من هواجس وتساؤلات لا تنجلي إلا بملاقاته من انقطعوا تماماً عن زيارته في السنوات الأخيرة دون سبب مقنع سوى مصاعب العمل ومشقات الحياة في الأردن.
سأله الضابط عندما قرأ اسمه كاملاً واسم أمه في قائمة أسماء المفرج عنهم:
"
أين تسكن؟" فتردد متلعثماً قبل أن يجيب: "في سيارتي." ضحك بعض السجناء من غرابة الجواب رغم جدية النغمة التي لا تحتمل الهزل في حين ظل البعض صامتاً منتظراً رد فعل الضابط الذي لم ترقه الإجابة.قال الضابط بنرفزة واضحة: هل أمازحك يا ثم كرر سؤاله: "أين تسكن ؟ " ليتلقى الإجابة ذاتها : "في السيارة ولست مازحاً. " ثم شرح له أنه قبل أن يسجن كان بلا مأوى وينام في سيارته الخاصة الأمر الذي جعل الضابط يسأله بذكاء عن مكان ترخيص السيارة ليحوله بالتالي لشرطة محافظة العاصمة.قال أحد السجناء ممتدحاً الضابط الذي قبل الإجابة على مضض:" أغرش فلم يسألك إن كانت السيارة مرخصة أم لا." أما هو فلم يكن متأكداً من أي شيء على الإطلاق بعد انقطاع أخبارهم عنه , لا من السيارة ولا من الأخوة ولا الأخوات ولا الأصدقاء ولا الرفاق ولا الأولاد إلا من كون أمريكا تقصف أفغانستان وطالبان والإنسان والحيوان والحنظل والريحان . أما أمه التي شاهدها للمرة الأخيرة على شبك الزيارة فقد كانت تبكي وربما ما زالت حتى الآن. برد على تشرين ، قمر على نيسان ، ورد على أيار ، حزن على الأنهار ، وحزيران في ذاكرته لم يبرح حزيران لكن عمان كم كبرت عمان وتمادت وتفاقمت وتجملت وتهادت وتناهت حتى تاهت عن نفسها فلم تعد تعرفك الآن أو تعرف نفسها إن كانت في ذات المكان أم أنها انزاحت أو تهاوت في النسيان. فها هي ممتدة أمامك وراءك من خلفك فوق كتفيك وفي نحول ساعديك تنخر في جوعك وتطحن ضلوعك فقط لأنها عمان، فيها يداس الإنسان أو يهان ، وفيها على مهل تذوقت الهوان. فعم تفتش بين البيوت وفي الشوارع؟ عم تبحث يا فتى الأوديسة المكسور؟ عن برتقال في القشور , عن دخان في القصور ,عن عطر الياسمين المكبل بالبخور , عن لقمة عيش وتنور ؟ وهي العمياء بالإدعاء من العقبة حتى الرمثاء من الثغاء تخور تخور تخور ، من تلوث مياه الشرب بالأوساخ لا تثور ، من الأقبية العميقة لا تغني أو ترى النور عمان لن تقول لك اليوم سوى كلمة أو كلمتين، لأنها ماتت مرتين ،لم تعد لمقتلها تثور. إذهب بعيداً عني فليس لدي من مقومات السياحة سوى السلام والكلام والسبايا والخمور وما تكونت لأجلك في حبور.. فغور أينما شئت أنت غور.. غور.. غور كي تمور شوارعي بالسواح وبالدولار أستباح من التاسعة ليلاً حتى الصباح. ومن التاسعة صباحاً من يوم حريته الأول حتى مساءه الأخيرلم يهتد لعنوان أو ساكن أو مقيم أو بعيد أو قريب أو صديق. وكلما شارف المساء تتناءى الأسماء والشوارع تضيق. وحده الخواء في عمان العراء والصديق والبرد الرفبق. كلما داهمه الليل يحلم بالحريق مشتعلاً بالدفء لمرآه ومثواه السجن أو الطريق.
في اليوم التالي قيل له أن أمه ماتت وأن أخوته باعوا البيت وأن مطلقته سافرت وأن سيارته سرقت
وأن غرفته أخليت وأن الطريق إلى الوطن مزدحم بالشهداء والأعباء لكن أحداً لم يقل أن سنيه هباء
أو أن تحولات الجوع قادت إلى مما قادت إليه إلى انتفاضة أحياناً وفي أحيان أخرى إلى بغاء.
وفي اليوم التالي في الليلة الثانية من بقائه يقظاً مغموراً بطعم الحرية والشتاء القارس كان أن وجد نفسه أمام ذات الباب يهم بالدخول ويفتش عن تهمة مناسبة.

II

لا , لم تبك عتبة الباب لما رأتني فقد كانت مهانة وبليدة مثل عاهر بشعة احترفت منذ زمن ومضطرة للقبول بأرخص الأسعار. عتبة لباب يخجل من بقائه باباً ، لم يعد يميز بين الأنذال والأحباب ومع ذلك مايزال يسمى باباً. وله قفل جاهز الإستدارة لأي مفتاح يدخل فيه. بماذا يدق هذا الباب ؟
بالنقر الخفيف مثلاً أم بالقبضات ؟ بالركل مثلاً أم بأجراس الكنائس ؟ ليفسح عن شرطي مثلاً أو عن سائس؟ هذا الباب الذي لا ينتظر أحداً كم هو بائس . هذا الرجل الذي يفتش عن جرس بقربه ليضغطه أو عن اسم ليقرأه كم هو يائس. كم هو يائس. غادرته كما يغادر الغرباء بيوتاً آوتهم ثقلاء عليها بفعل العادات والتقاليد وعلاقات القرابة من بعيد لبعيد فما في الجيب قرشاً واحداً لنبتدء النشيد ولا خبراً يسر كي نصافح العيد ، عيد بأية حال عدت إلينا يا عيد ؟ في الطريق مضيت كي يلتهمني الطريق وأسلمت خطوات عمري لطريق عله يعرفني أو يعرف نفسه الطريق ، بأنه لا حول له ولا قوة وسيظل ليس أكثر من طريق. أتوه عنه فيه ولا يعرفني الطريق. فكم باباً في ليل عمان تشهاه نعاسي أو رنوت إليه بإحساسي أن دالية التعب ثقلت بعناقيد غربتها ودنت من باب نكبتها والأسماء أذكرها لكن أناسها ليسوا بناسي.آه يا قلبي الجلد من لحم ودم لم تزل والزمن نحاسي. من لحم ودم وياقوت لم تزل تدق في تابوت وهذه المنازل كأنها بيوت وما هي بالبيوت وتدق تدق فلا أنت حي ولا أنت تموت لكأنما الناس مصنوعة من سكوت ومن صخر مصنوعة قلوبها والفلل من بسكوت .
حوار داخلي للزرقاء

قالت شيند متسائلة:
* ما الذي ذكرك بسيزيف ؟
وظل تساؤلها بدون إجابة، إذ ليس من اللائق إفساد رحلتها لوادي رم أو إفساد حقها بالدهشة ولدى الأيرلنديين أيضاً ما يغنيهم عن حمل الهم الفلسطيني، فقد تعددت المصائب والهم واحد، أما الآن فأستطيع التوضيح أن الآلهة الذين يعاقبون كل سيزيف فلسطيني ليسوا فوق سماء اليونان ولا بروميثيوس تنقر عينيه الصقور تحت سماء الرومان، إنه هناك في منطقة معتمة تحت سماء العرب، ما زال يحمل شعلته بنفسه ويحمل صخرته بين يديه، ولأن ما تراه عيون شيند الزرقاوين غير ما تراه عيني جوزيفا العسليتين ، يغدو السيد بلوم والسيد دون كيخوته أو ربما لوركا شخصاً واحداً ملتبساً في الهوية وفي المشاعر ولكنه ابن زمنه الخاص وامتداد ثقافاته. ولو لم يكن السيد بلوم من صنع خيال جيمس جويس ومن صنع زمنه وتجربته لما ظل صامتاً عندما أنكر عليه اليهود يهوديته ، بل ربما قال لـ ابن غوريون نفسه(شكراً لتفهمك.. لكنني لا أرغب العيش أيضاً في إسرائيل) على أمل أن يستعيد بلوم جناحيه أو أجنحته بعد، أو ليس هذا ما هو حاصل اليوم؟ عندما ينكر / تنكر عليك الفلسطيني / الفلسطينية فلسطينيتك قبل أن يتنكر لها الأخوة العرب من الكويت حتى فاس ومؤتمر فاس؟ بالمقابل هذا أيضاً ما حصل لسمير نقاش وأقرانه من اليهود في إسرائيل نفسها فقد أنكروا عليه طفولته ولغته، لذلك لا يبدو الأمر مستهجناً عندما ينكر أي مركز أمن عربي عليك إنسانيتك، انظري يا شيند مجدداً لهذا المشهد: فقد كنت محترماً جداً وأنا أتحدث إليك بلغتك الإنجليزية سواء في وادي رم أم في مركز الحسين مستحسناً إلقائك بلغتك قبل سماع الترجمة أو مستاءً من إخفاقات وهنّات الترجمة في بعض المواقع.
هل لك أن تتصوري كيف اقتربت مني سيدتان ترغبان في التعرف على الشخص القادم من باريس أو لندن أو دبلن ! كان الموقف محرجاً وأنا أزيد تأكيد الحقيقة وهن غير مصدقات لما أقول، إنني أعيش في عمان ولست زائراً أو طائراً ولي رقم وطني وبطاقات رسمية ووثائق مفقودة، فهل ثمة فرق إذن بين أدلاء السياحة في جنوب الأردن وبين عشاق السياحة في عمان في إنكار وجود الشخص عندما يتحدث اللغة العربية؟ أشاح بدو الأردن بعد التحديث عني الوجوه مفتونين بكل ما هو غير عربي.
واستنكرت برجوازيات عمان أو استكثرت عليّ أن أمتلك ثقافة رفيعة ومعارف شقيت العمر وأشقيت غيري في تكوينها، أليس للغرب وللاستعمار وللاستشراق دخل في ذلك، دون أن أغفل بالطبع العوامل الذاتية لأمم مهزومة ومقهورة وشعوب مستلبة لا تعرف عند تمكنها من الآخر الشقيق غير الاستبداد أو النكران والجحود، فإن كنت في شك من هذا أنت وجوزيفا تحديداً فما عليكما إلا أن تسألان روديكا أو ديفيد ديمترييه الفرنسي الذي شرع يتعلم العربية ليتورط أكثر فأكثر في هذه الرمال المتحركة.
فالزرقاء المدينة بمن فيها، تحرمني من ابنتي الكبرى منذ أكثر من عشرة سنوات وقدمت إسهامها الفظيع بتحطيم أسرة تحت يافطة القانون والمحاماة والمقاضاة وحقوق المرأة وحقوق الطفل ومؤسسات المجتمع المدني ودار حضانة الطفل وكأننا جئنا من الكويت متخلفين أو ذئاب مفترسة تريد مدينة ناشئة- كانت صحراء مخصصة لمعسكرات الجيش منذ أقل من نصف قرن أن تعلمنا أصول الحضارة والتمدن ولم نأت إليها بكامل أتعاب شقائنا من الكويت وبكامل خبراتنا العلمية والعملية والمصرفية كذلك.
فمن الذي دفع بنا إلى أتون العذاب والتشرد والاستعباد وقد كان لنا سماء وأشجار وجبال وبيوت وبحر وطيور وهواء وبيادر للأعراس وللرقص والدبكات، وقد كان لنا مدينة مثل أريحا عمرها عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، أي بلاد هذه التي تنكرنا في البلاد وأي بلاد تلك التي تخرجنا من البلاد، لو كنت أكتب الآن باللغة الروسية لتحول الأمر إلى نكتة سوداء، إن الذين يصنعون لنا المشكلة والمأساة بأيديهم يستكثرون علينا أن نشير إليهم بأسس الداء، ويستكثرون علينا أننا ما نزال موجودين ونتحدث لغات أجنبية ونرقص رغم أننا لا نملك شيئاً سوى قدرتنا على الفرح وبسالتنا في الحياة. ليس كل البدو بدواً ولا كل من تظاهر بالتمدن متحضراً ،بالطبع، إنها الغابة دون أشجارها، يحس البعض منا فيها أنه قد يتحول إلى خروف، لذلك كم احترم مشاعرك النبيلة عندما إقشعر بدنك من رؤية رأس الخروف بفمه المفتوح ولسانه المدلوق فوق منسف من استضافونا في السلط، فاغفري لي ولروديكا أننا من الجوع أكلناه بنهم رأس الخروف، استجابة للكرم العربي من ناحية واستجابة لعدم إمكانية أن يتحول أحدنا إلى خروف أو نعجة.
أما في الثقافة وممارسة سلطة المعرفة التي هي كل ما نملك فإننا نفترس افتراساً حتى ديناصورات وتماسيح الجهل والتخلف، هل دعوتك أو دعوت غيرك للرقص بعد؟ ليتني أدعو ابنتي إلزا أولاً، إن حرماناً مثل هذا جعلني صيف عام 1996 ذات ليلة أراقص مدينة اللاذقية كلها في مطعم لفندق ساحلي فخم، البحر من أمامي والمدينة كلها بأحضاني ولم أحس لحظة أنني في جزيرة كريت اليونانية، أو في حيفا أو يافا بل في قلب العالم الذي ينكرني بعد انتهاء الرقص.
سألني رئيس تحرير جريدة الثورة السورية صيفذاك :
* من أي بلد أنت؟
فأجبته:
وهل تُسأَلُ البلدُ إن كنتُ أنا البلد.
فكيف لي أن لا أتذكر سيزيف ومن حولك حولك يا أيرلندا، ولا تقلقي فلم أفكر بعد بقصف مدن أو عواصم منهارة ولا برفعها إلى قمة الجبل، ذلك أنني عندما أنظر إلى كوكب الأرض من فضائي السحيق لا أرى من الشرق الأوسط سوى بقع من النفط وقليلاً من المراعي رأيت ذلك في بعض حلم ورأيت يديك الصغيرتين.

من تقرير خبير في الثقافات الشرقية ترجمت بصعوبة

بناء على ما تقدم لي من معلومات، ولست خبيراً بالطبع بالفضاء أو الفضائيات، أترك هذا الأمر لإجتهاداتكم مع أنني لا أنصح به، ونزولاً عند رغبة زميلة لي في الثقافة العربية، فإن التكوين الداخلي الثقافي والمعرفي للموضوع مدار اهتمامكم، يجعله ، كائناً من كان، أقرب ما يكون إلى محيي الدين ابن عربي، الذي أترك أمره للزميلة مترجمته من العربية، وكذلك لما جاء في رواية "حي بن يقظان" لابن طفيل و " مشكاة الأنوار" للإمام الغزالي وأرجو أن تجدوا لي عذراً في عدم الجزم بذكر بعض ما قرأته عن الحلاج الذي لم أدرسه حتى الآن دراسة وافية ومن الطبيعي حينما أذكر لكم ابن عربي أن أتجاوز سبينوزا Spinoza إلا إذا كنتم وهذا راجع لكم جداً مفتونين بكل اسم أجنبي حتى الآن على من في تاريخكم الذي تجهلونه شر جهالة.
تقول زميلة لي مهتمة بابن عربي: أنه شخص " يستحق بالذات وقفة أمام أعماله من ناحية قابليتها لتفاعل القارئ .. مع نظامه الفكري وأبعاد تأملاته الدينية والفلسفية" وأن "التجاوز الفكري بين سبينوزا وابن عربي بفضل الأخير على الأول طبعاً، هو أنموذج لفضاء سامي منفتح نحو الآخر ونحو أسمى التساؤلات الكامنة في ضمير الكائن الإنساني مهما كانت ديانته".. مع المعذرة على هذا الإسهاب حيث أنني عاكف على مراجعتي لترجمتي للقرآن الكريم إلى لغتنا الأم، أعيد إليكم بعض المرفقات*

بعض المرفقات:

الران*
الطفل النائم تحت النافذة،فوق ران صخري،عام1957 لربما،ما كان يعرف آنذاك أنه نائم فوق قبر مقلوب.فقط كل ما يعرفه أنه نام باكياً في عراء سيلة الظهر، فوقه علية الجد والجدة.ووراء ظهره عقد الأم اليتيمة الطريدة من الحارة الغربية للحارة الشرقية.والعقد خالٍ من الأم ولا أحد.وزوجها يعمل في الكويت منذ31/3/1953 تاركاً الأمر لوالده النائم في العلية والذي يفيق باكراً لأداء الصلاة أو للسفر إلى نابلس كي يصرف الشيك المرسل له من الإبن البكر لدى كرسوع.الطفل النائم لأبٍ غير موجود ولأمٍ قابعة في البكاء هي أيضاً في زقاق داهود في الحارة الشرقية، ما كان يعرف أنه ينام على قبرٍ مقلوب في بيت الجد في الحارة الغربية من سيلة الظهر في باحة الدار المطلة على قرية العطارة والسهل والنبي لاويين وحاووز الحارة الغربية وبيت المختار والحواكير والوادي الذي يسمعه يمخر سيول السماء في الشتاء في رمضان.الطفل بكى عندما طلب من الجد شراء جزمة باتا شديدة ولامعة السواد له أسوة بجزمتي عميه الأكبر والأصغر اللذان رآهما يلبسان مثل هذا الشيء البهي المنظر في أقدامهم السائرة نحو المدرسة في أعلى العالم. الجد قال أنه صغير لا يذهب للمدرسة مثل أعمامه وبالتالي لا لزوم للجزمة السوداء في قدميه الحافيتين في صقيع الشتاء رغم أن الأم اليهودية قالت أن للإبن حق في مال أبيه وبذلك طردت من جنة الجد الذي تربي زوجته زغاليل الحمام.الطفل النائم ما كان يستطيع الانتباه لهديل الحمام لكثرة بكاء الأم في الليل الحزين وكثرة تعديدها كأنما يعيش معها في مأتم دائم النواح والعويل وهي التي طلبت منه أن يلحق بالجد الذاهب للجامع ويطلب منه أن يشتري له جزمة . لم تحدد الأم اليهودية إن كانت تلك الجزمة باتا أو عصفوركو.كما لم يكن الطفل النائم يعرف الجزم وماركاتها الشهيرة آنذاك.فكل ما يعرفه أن أهل الدار من أعمام وعمات وأبناء عمات هانئين متنعمين بوصول شيكات الدينار الأردني من الكويت في الخمسينيات من أبيه الذي لم يره بعد ، يقولون له نم على الران ياابنها فيطرد هو الآخر من أمام موقد النار في العقد السفلي الثاني في حين يكون الحطب والنتش الموقد في كوانين النار من شقاء يدي الأم ابنة زقاق داهود التي كانت تسرح من الصباح الباكر لقلع النتش ولم الحطب لتبيعه وتشتري له بيضة وأحياناً علبة سردين.لا لم يكن الطفل النائم يعرف معنى الران سوى أنه ران تستخدمه العمات في الجلوس عليه أمام عقد ونافذة الزوجة الثانية لأخيهن الذي بدأ حياته العملية بعد اتمامه للصف الخامس في القرية المجاورة برقة ليذهب ابن الثالثة عشرة إلى حيفا للعمل والإنفاق على أبيه وأخواته.الطفل النائم على الران نائم فقط بعد انكساره في أسرة لشدما يتوق للإنتماء اليها. أجل ،كان يهرب من عويل الأم تجاه عطر الجدة الذي لم يكن يعرف آنذاك أنه يدعى بتراء ويشتريه الجد لزوجته من مدينة نابلس.بل كان يتسلل للعقد الأرضي المجاور كي يحظى برمعة سكرٍ من الجدة أو بقرص من اللبنة التي يراها في العقد الآخر مغمورة بزيت الزيتون الأخضر ومعبأة في مرتبانات.وقد اعترف الطفل أنه كان لا يحب الرز بالبندورة والبصل الذي كانت تسلقه الأم فلا يأكل منه لأن مذاق البصل المشوي في موقد النار تحت قدر العدس باللحمة والبطاطا المشوية بنار الشتاء الدافئة أشهى والجد جالس إلى شيشته (الأرجيلة) وجواره قطة تهمّر أحيناً إذا أخّل أحد برخائها أو قلقل دفئها على الجاعد. وها هم المنيب وأحمد وشوكت أبناء عمته الكبرى يتداولون شؤون دروسهم مع أخوالهم في بيت جدهم دون الحاجة للحاق حفاة بجدهم حيث أن والدهم يعمل في تصدير البطيخ الناصع الإخضرار والأحمر حتماً إلى الكويت وهم يقيمون في علية فارعة الرخاء في زقاق دار أبو علي من الحارة الغربية وزد على ذلك كله أنهم وعوائل أخرى تزودوا بكرت المؤن دون أن يكونوا لاجئين.الطفل النائم لا يعرف كل هذا لكنه استجاب ذات زمهرير صقيع شتاء لطلبهم جميعاً منه أن يذهب لجلب حليب اللاجئين من أعالي البلد قرب المدرسة فهبّ من فوره متحمساً لخدمتهم وجلب الحليب إليهم وهو أصغرهم آنذاك دون أن يحسب للجليد المتشكل في الطرقات من ليلة البارحة حساب.الطفل النائم الآن لا يذكر كيف عثرت عليه جدته لأمه حافياً متجمداً متوقفاً عن المسير فوق الجليد تماماً في نزلة حاووز الحارة الشرقية تحت النبي سيلان قرب التينة الموازيّة التي كانت تنزّ بقطرات الثلج باكية لمرآه وتنكتي الحليب في يديه المسدلتين تحزّان بأسلاكهما أصابع يديه اليافعتين.بكت الجدة الحنون لمّا رأتني وبكتني وشتمت أباً نذلاً وما فارقتني.إلى عقد الأيتام أخذتني ومن جزمٍ قديمةٍ قصت لي فردتين مختلفتين وألبستني.من حليب الغير لم تأخذ ومن حليب الغير ما يوماً أرضعتني.بهجة كبرياء ظلت تكفكف دمع يتماها وما باليد غير الشقاء والتمني.لا لا لايذكر الطفل شيئاً من هذا وهو نائم بقدر ما يحسه.وهو الآن يحس كم قاسي هذا الران المقدود من الصخر على عظام بدنه قبل أن تعترف جدته لأبيه أن الران مثله مثل إثنا عشر راناً عثروا عليهن في المغارة عندما اشتروا الأرض تمهيداً لبناء العقدين والعلية.وأنهم تخلصوا منها جميعاً باستثناء رانٍ واحد أفرغوه من عظام ميته ثم وضعوه مقلوباً على قفاه تحت شباك العقد المخصص لزواج ابنها البكر الأول.لا لم يعرف الطفل كل هذا التاريخ لهذه الأرض لذاك التابوت الصخري المكبوب ميته الحامل لطفل محروم من طفولته ولا أحد.
حتى الأموات استسلموا لغيابهم والبعض منهم استسلموا لموتهم وآخرون ذهبوا كبباً وترحالا.الطفل النائم ليس مهماً اليوم أين، فقد تجده أمام جريدة الحدث في شبرة بطيخٍ
يمتلكها أحد جيران والدته في حي الزواهرة من بني حسن المنصوبة أمام مجمع عكاوي وبداد على أوتوستراد الجامعة قبل الدوريات وقبل الشقة التي تقيم بها عمة أخرى من عماته في أحد مرتفعات صويلح وقد نالت بحمد الله ورعايته الجنسية الأمريكية مثل أبنائها وشقيقتها وأبناء شقيقتها.وبعد شارع وصفي التل (الجاردنز) في عمان حيث يشيد أحد أمريكيو سيلة الظهر مسكناً أو مجمعاً تجارياً عقارياً أو سكنياً دون أن يتذكر هو الآخر أن الفتى الذي كان قبل الثامن من أيار1936 يطعمه من برتقال حيفا لم يزل مدفوناً في الكويت ولم يلق بعظامه أحد في العراء وإن ألقي بأبنائه وبناته في عراء الزرقاء بفضل صفقات البيع والشراء وقرارات المحاكم والغزية التي تريد تحرير كامل التراب الفلسطيني من الزرقاء حتى عمان والكويت في حين شرّدت رفيقها الشيوعي وأودعته المصحات. هو الران وما اختلف الأمر بعد. ولم يزل الطفل نائماً رغم الحروب كلها والخطوب والرحيل والترحال والمحاكم والمخافر والنزال.ينتظر صاحبه أن يلملم عظامه ويعود فقد أدرك أن الران بيته الأخير الذي حرم منه مرتين.فلم يزل الراحل راحلاً وإن سمعت أجراس الجمال
المثقلة بالمسير.ولم يزل الميت ميتاً وقد أضناه في الصحراء المسير.ولم يزل النائم نائماً والليل عسير.فعلام يوقظ من موطنه الكبير مثل طفل صغيرٍ هذا الرائي الكبير وقد رأى ما رأى
في سماء كل من تحتها صغير.

______________________________________________
ثلاث صفحات أخرى من رواية "الطريق" قيد الكتابة في ورق .
IV
هل تعرف الطريق إلى الله ؟

سؤال لم يسألني أحد إليه.لكن الطرقات التي في التيه أخذتني إليها من تيه إلى تيه لم تفض إلى غير غيمٍ وغير شمسٍ وغير النجوم فآمنت الطرقات وسبّحت وأنا لم اتوقف عن المسير.
ليس لأنني من سلالة أنبياء أسير ولكن البيت بعيد هو الذي أرى.والبيت بعيد ذاك الذي لم تشق يد لأحدٍ كان في بنائه فلم أرزق بعد بامرأةٍ لا خصبٍ ولا عاقر ليرزقها المعطي برجلٍ لا هو نبي ولا كافر.البيت والمرأة يفترقان عند منعطفات البنوك من غزة حتى تبوك.
ومن الرصيفة حتى مجمع البنوك الذي يشيد ثم يحجز في عمان على الفلل والبيوت والمباني الفارغة أو المفرغة ولا يكف عن الصرف والتصريف والشطب والفتح والتنظيف.وبعد أن
كنت عبداً من عباده المخلصين في سجن بيرين أرفل في ثياب القمل والصيبان من الفحيص إلى حسبان مروراً بالزرقاء وعمان أردت وقد هداني الله وأرخى الحزب عني قبضته النسوية الستالبنية تاركاً الأمر جل الأمر لحكومة لا تتسامح أو تغفر أن أشرع بالسير على دروب الخير ففقدت أول مافقدت حذائي على باب مسجدٍ في يوم جمعة فضيل جلّ ما كنت أتمناه وخطواتي تحمل من الدنيا إليه نعاسي بعد ليلٍ آخر من التيه والسهر أن أصلّي وأنام فيه لكن الأنام من حولي كثر والعياذ بالله أمطروني بوابلٍ من العظات وكأنني المسؤول عن شروط البنك الدولي فسألت نفسي بنفسي: أين الطريق؟ لأجده ملء نفسي بعد أن تقطّعت أنفاسي صاعداً الطريق إلى الجبيهة كي أزور الصديق أو من كان الرفيق فلا أعثر بعد طول المشوار وقصقصتي من الحزب بمنشار لا على الصديق الصديق ولا على الرفيق ومنزله فارغ يليق بنومي في حديقته المزدانة بما تدلّى من ثمر .كيف لا وقد هداه الله الذي لا يهدي سواه إلى عمل إثر عملٍ بعد أن نال المغفرة على معصية لم يرتكبها أو حتى يفكر بها وتجنب أول ما تجنب خريجي السجون من أمثالي أنا وشاكلتي وكل من لا يبالي.قلت وقد أقفلت تائهاً تلكم شقة الكاتب منصور وتلكم شقة أخرى للصحفي المنصور وذلك ديوان أهالي لأجدني في مرتفعات الجبيهة لحالي لا أنا بالمؤمن ولا المنتصر ولا بالسجين ولا بالحر الطليق من قبضة الحزب الداعم للرفيقة المناضلة ولا من قبضة المحافظة التي سرعان ما ترى في سيري على الطريق ظروفاً تجلب الشبهة فتعيدني إما للفحيص كي يدلني الأطباء على الطريق أو إلى السجن حيث لم يعد أحد يدلني على كافة متتطلباته أو من يجرؤ على الهمس بالسؤال عن الطريق إلى الله من عباده الطيبين المخلصين لله وحده وأرزاق لا يرون مثيلاً لها خارج السجن الأصغر؟ فكلما إتسعت الرؤيا ضاقت الزنزانة واختفت بقدرة سحرية أية سجادة حيث الأرض طاهرة ونظيفة نظافة متهمٍ يكشطها ويغسلها ويدعكها لتصبح بنظافته من التهمة الموقوف على ذمتها.هل من مزيدٍ يقول السجن والمهاجع المكتظة لمن لا يعرفون الطريق إلى الله؟ فهنالك يعرفون أنه الأحد وأنه كل سبت وأنه الجمعة والجامع وأنه الاثنين السجين وسجانه وأنه الأربع آتي إن ليس من زوجتي فمن حماتي أو بناتي وأنه الخميس كما الأصابع في قبضة خذلها الزمان وتخلى عنها الخلان من نجدٍ حتى عدنان وغسان وقحطان.لكن أينه خارج السجن وأيينهم أهل عمان العمّانيون من نعاس الآلهة في عروقي حتى أثينا القديمة؟ هاهم ينامون في بيوتهم مثل قطة جدي أو حمارته لا فرق المصطفة تحت عرائش الدوالي في مصفات أواصطبلات الغواني لا يعرفونك يا فتى بل لا يريدون معرفتك وقد تربوا على
كراهية اليهود والبدو والزنوج والفلاحين من روسيا القيصرية حتى كاليفورنيا الاسبانية
فهل تظن أنك ستتعرف إلى إلهك في بيوتهم أو طرقاتهم أو أن توصلك سياراتهم لغير عبدون أو الصويفية ؟ لا ..لن تعرفه جيداً إن لم تنظر فيك ، في الران، في السماء التي تراك، في الشمس التي ستلهب ثراك ، في النجوم السائرة نحوك لعلها تتتبع خطاك، في الضوء الذي لم تره بعد وما رآك.
V
VI
بيت الذبابة


لا بوازع اخلاقي و لا برفق أدعيه ابقيت على حياة ذبابة صغيرة اكتشفت وجودها المؤنس على مقربة من وحدتي اللامتناهية. لم يكن الجو يوم ذاك قائظا إلى الحد الذي يستفز الذباب و لا كانت ثيابي متسخة. لم يكن ما حولي يبرر لأية ذبابة أن تتحرك فوق أجواء صمتي النحاسية. بل كنت ساهما، كعادتي، اتلمس بعيني عالمي في عزلة تنزلق على جدرانها انثى العنكبوت و لا يألفها ذكر العنكبوت. في عزلتي، لا اسمح ، كعادتي، بأي تزاوج يخل بالسلام و السكينة التي أحصل عليها بشق الأنفس وسط عالم متسارع في أجواء تشهد سقوط عشرات الذكور من العناكب كي تستمر إناثها حفاظا على ناموس الكون و إستمرارية الأنواع، سواء كانت هذه الأنواع نحلا أم ذبابا أم عناكب. فقد دربت نفسي منذ الصغر أن أكون مطلق الأنانية عندما يحين وقتي الذي التحم فيه بصمتي واسمع به دقات قلبي و ليس دقات ساعة بليدة من الوقت. هكذا أنا الأصلي، قطعة من السكون المظلل بظلام شفاف تتماوج في عيني ألوان من الأسى والخسارات الممتزجة بالسماوي و أحيانا اللازوردي أو الكحلي الغامض الذي نادرا ما يزورني أو يهمس في خيالي بغير المتوقع و المعقول و الممكن. و لأن الأمر كذلك، فقد أبقيت في عام ،،1977 في التاسع من آذار على حركة ذبابة صغيرة وحيدة، أشفقت جدا على عينيها الحزينتين اللتين رأيت فيهما بقدراتي الذهنية المجهرية انهما تنتميان لمسحة حزن ظليل حدد لي سماتي النفسية و الإنسانية منذ الخليقة بأكثر مما حدده لي حمض الـDNA اللعين. هي غير ضارة و غير مزعجة ،لا طنين لها يعلو أكثر من طنين الصمت و آلام البشرية التي لا يسكنها غير الموت القديم العتيق الأصيل الواقعي الصلب الجيولوجي المتراكم الطبقات من الأجيال والشعوب إناثها بذكورها صغارها و شيوخها المسنين. هكذا تهاتفت النفس مع النفس نافية فكرة استخدام وابل من الكيماويات و المبيدات المخترعة في مصانع الموت ضد ذبابة صغيرة لا حول لها و لا قوة. و هكذا راق لها رغم صغر السن أن تتغذى على الطمأنينة الثقيلة و الهواء الثقيل الذي أكاد اتنفسه بشق الأنفس نتيجة لإصابتي المزمنة بانخفاض الضغط و نقص الأملاح و هبوط الروح التي أجدها احيانا بين قدمي كعثرة من العثرات التي لا تنتهي أو تزول من دربي. روحي اعرفها منذ أمد بعيد، كرة قدم معدنية غير قابلة للطيران أو التدحرج فوق سطح عالم دبق يأسرها في صدري كمعيق لإستنشاق الهواء الطلق العليل المليء بأوكسجين الحياة الدافق. و هكذا فكرت بمسؤولية عالية أنني قد أتحمل مسؤولية انجذاب تلك الذبابة الصغيرة إلى روحي الكسلى عن الحياة. فلست بغباء ذكر العنكبوت كي اقبل دون حكمة أو تعقل على الحياة كي أرشف منها رشفة الموت اللعينة. منذ الصغر كنت أتجنب الأنثى. أراقبها عن بعد إذا كانت جميلة. أشاركها الأسى إن لم تكن جميلة و أستبقي لحظة عينيها بخيالي و بسمتها أو صوتها لمسراتي الخاصة دون ان أقترب و أخوض فيها و في غموضها أو إنقلاباتها المسكونة بمفاجآت الملل أو الروتين أو الغدر كما لو كانت بمثل ما يقال عن مثلث برمودا. فكيف لي أن أقترب إذا ما كنت عارفا بأسرار أنثى العنكبوت التي يقتل ذكرها بعد ليلة الدخلة فتواصل العيش دونه و دون فحولته الغبية. و ما دامت ذبابة فلم أكترث في الرابع عشر من نيسان إن كانت تلك الصغيرة من ذكر الذباب أم من أنثاه، فقلما خطر ببالي تفحص الذباب أو التفرقة حسب الجنس أو اللون فقد أدركت أنها صغيرة و غير مؤذية و هادئة بل ووديعة لا طنين لها يعلو على طنين الروح الثكلى أو الزمن النائم أو السكون المنصوب فوق روحي مثل خيمة في لهيب صحراء الربع الخالي. و هكذا آنست فيها مؤنسا لعالمي الذي اتسع للضواري و الوحوش فكيف لا يتسع لذبابة! وما أن عدت من يوم عملي الشاق حتى وجدتها قد غيرت مكانها فإذا بها فوق مكتبي. أزحت لها الكتب كي لا أغفل فأغلق عليها سهوا كتابا فتموت. و منحتها مساحة معقولة من المكتب. وفي اليوم التالي عدت إلى المكان ذاته لأجدها فوق كرسي المكتب، و لم أرد ازعاجها، فأنتظرت حتى ملت الجلوس فوق كرسي المكتب و أخذت تتمشى على مسنده ثم قفزت إلى كتاب رأس المال لكارل ماركس و بالقرب من اسمه المكتوب على الغلاف جلست دون حراك. فخشيت عليها من هذا الموقع الخطير و على ذكراه هو أيضا. لذلك مددت يدي برفق نحوها فإذا بها تجلس فوق سبابتي التي أكتب بها. و بقيت ديمقراطيا معها لا أريد إرغامها على ما لا تريده أو تراه مناسبا عقب تدخلي في موقعها على الكتاب لأسباب أيديولوجية. لذلك ألغيت مشروع كتابة رواية أو قصة حرصا على حسن سلوكياتي و ممارستي مع ذبابة صغيرة لا حول لها ولا قوة، لا حزب لها و لا تنظيم، لا عائلة لها و لا مصدر رزق. بل أنها ربما تعاني عند غيابي عن المنزل من مشاهد الموت المرعبة المتمثلة بعبوات الـDDT والغازات السامة التي جعلتها الحضارة في متناول أيدينا لإبادة الصراصير و البعوض و الذباب و الصمت و الأوكسجين و الحزن و أشياء جميلة لا حصر لها. لكنني في الشهور التالية بدأت ألاحظ ما طرأ عليها من تغيرات، فقد غدت كبيرة و أصبح لها طنين و شرعت تتجول بزهو في المنزل و دون حياء. فقلت لنفسي: أو ليس هذا حقها في النمو و التطور و الفرح والحبور؟ لكن هذا الاعتقاد سرعان ما طرأ عليه ما يزلزله من أساسه المكين. فقد عدت ذات يوم و تحديدا في صيف عام 1982 لأجدها بحجم عصفور يجلس دون وجل على مكتبي و تأكل السكر و تشرب الشاي و بعض الكعك الذي لم يرق لي أن أذوقه بعد ممارستي لعبث الشراء. وكأنما كنت على موعد مع هذه الطفرة، فالعالم اصبح يستخدم كل مخترعاته دون حكمة أو تعقل في كل شيء ، فلماذا لا تكون هنالك طفرة في نمو الذباب أو على الأقل في نمو ذبابة واحدة فقط تعاني مثلي من العزلة و الصمت و الضياع و الحزن ؟ غير أن كل معتقداتي و عقلانيتي وواقعيتي اهتزت اليوم عندما عدت إلى المنزل لأجدها ذبابة بحجم الذئب و بأنيابه و بتكشيرة لبؤة تجلس في مكاني و تقول: من سمح لك بالدخول؟
VII
القبو

لا في الليل ولا في النهار أستطيع خلع ما أريد وارتداء ما أشتهي.لا في الحدائق العامة ولا في النظارات أستطيع أن أبوح بالنداء البعيد أو أرى النجم الوحيد الذي خاطبني ذات مرة ثم اختفى أو أنا. حرارة الشمس اللاهبة تخفيه ولست بقادر على استرجاع بصيرتي التى بها أرى أعماق القبو وسطح الران المدبب بإزميل الحجار الذي نحته أو نقشه ثم أسلم نفسه بسهولة للموت ليصل بعد آلاف السنين الران لي كفراش أو مخدة . ران على الإسفلت ران في الفندق الشعبي الرث ران في الماضي السحيق ران على ران فوق ران أيامي الصخرية الصلدة بلا قلب أو أمل . لكن القبو وحده الذي أغور به فألوذ بصمت وعبادة الموتى وأقرأ به آيات العهود القديمة أو به أغفو على فراشي المقدس.لا يتسع القبو العميق لأحد غيري عندما أكون هارباً من الزرقاء ومن عمان حالماً بإربد الشمال بسرية تامة. وكي أصل إلى القبو لا بد وأن أقفل باب غرفتي الوحيدة عليّ بعد أن أكون مطمئناً لعدم مباغتة المؤجر لي بالطرق على المداخل بقبضات الحكومة طالباً لأجرة الشهر الذي لم يأت بعد والأيام التي لم تطل بعد لم يتأكد هو نفسه منها بعد. في طريقي إلى القاع الحزين أنزل بقلبي درجات طويلة في أخاديد الحزن الجاف مروراً بطبقات القوميين العرب والماركسيين القدامى الذين لم يعد أمري يهمهم ومروراً بردهات الديمقراطيين الانتهازيين نازلاً مدارج الحزن المعتق إلى أسفل ثم أسفل محملاً بما تنيخ به الجمال من أكياس وخيش الهم اليومي وزوادتي من دموع أحرص ألا يراها أحد غير المخدة الرطبة المتسخة بالذكريات الوفية التي لا تغادر حتى للشمس أو الهواء والباقية الوحيدة في انتظاري كل مساء حزين مملح بما تبقى لي من إنسانيتي المدهوسة في شوارع الأردن منذ التأسيس حتى التفليس.أنزل درجات محطمة مروراً بجدران عفنة ترابط بعتمتها الأفاعي والخفافيش الميتة وصراصير وسحالي أوت إلى بيوتها الحقيقية بعد أن كانت تصول وتجول في فنادق الخمسة نجوم ببدلات رسمية ووراء مايكروفونات الندوات الثقافية وفي الجامعات والمنتديات والمحاضرات والسفارات ولكنها في العتمة تعود إلى حقيقتها فتأوي في أعالي الجدران التي أمر بها نازلاً عتمة كينونتي ومآلي كي أهجع في آخر العتبات المفضية إلى عتمة روحي هناك تحت في الأسفل عميقاً أبعد من قبري البشري بكثير أظل أنزل وقلبي يهبط مثقلاً بالأيام والسنين جاراً أذيال خيبات وهزائم وخسائر يومية أكبر من الممتلكات والجراح الأكيدة. تستغرقني الرحلة اليومية المقدسة كل الوقت الذي أخلع به أقنعة الآخرين المستحكمة على وجوههم وابتساماتهم الصفراء الزائفة وأظل انزل ثم أنزل متخففاً من بضع هموم ومن بضع شجون تلازمني إلى أن أصل موقع صلاتي أخلع كل شيء عن كاهلي ومكدوداً أرتدي يهوديتي الموسمية ,ارتمي وأنام. كقتيل أنام. شهيداً أم شاهداً أنام .دون حاجة ما لمثولي في محكمة الأبرياء والضحايا أنام. هكذا و ..
لا أحلم كما يحلم بقية اليهود بدولة آمنة أو بثروات البحر لا لا أفعل ذلك بل لا أحلم سهواً أو على حين غرة بما يشبه هذه الأحلام والكوابيس. لا أفكر كبقية المسلمين بالجنة ولا كبقية المسيحيين بالنبيذ وبالخلاص لا لا أحلم حتى بأحلام الصبى أنني طير وأطير وأطير لأظل أطير فوق البساتين والأنهار والبحار وعندما أصل مستنقع التماسيح الجائعة أفقد فجأة قدرتي على الطيران وأهبط أهبط وأظل أهبط فاقداً صوتي. لأنني فقدت حقاً صوتي منذ أن هبطت بي الطائرة مستنقع الأحكام العرفية وسط أفاعي المحامين وسحالي الأمن
وتماسيح الإفلاس وصراصير الوشاة خفافيش البطالة. لا لم أدع حتى تحرير فلسطين من النهر للبحر أو نصفها أو ربعها أو حتى قرية فيها تخصني لأنني ذقت الأمرين من أفاعي التنافس والتلامس والتحافز الوطني لدرجة بت بها لا أعرف وجهي. ولا أسف ولا نجوى وقد أضاع الناس كثير من الناس وجوههم في زمني. لذلك أنام بكل هدوء وبلا أحلام أنام مرتدياً ثياب الزهد والتأمل أنام لعلي أصحو على كوب ماء وملح وكسرة خبز. وهذا ما لم يتوفر لي بتاريخ 4/12/2001 عندما داهمنا المطر ثم انهار السور الواقي لتنداح السيول الموحلة كي تعمدني بتراب الوطن وأعشابه وسيوله ووديانه. فاض الأردن عليّ بكل ما حمل وما قذف في حاويات الأرض البور من أحقاد نبيلة. ونجوت لأنني كنت في الطابق تحت الألف من الطابق الأرضي لبناية الحزن الفقير على مقربة من المقاولين وشارع العشيرة ودكان الصدقات الرسمية.
وهكذا سدوا منافذ القبو على القبو في القبر الذي غمره الطوفان لأحيا بلا رداء أرتديه أو ران أرتأيه أو ولد أفتديه. لا قبو لي لا حق لا وجه لا خبز لا ماء. فقط سماء ليست هي السماء التي أعرف. لا طريق ولا حريق لا رفيق لا صديق والدرب يضيق ومقرف كلما اتسعت الهوة يضيق الحبل من كل الجهات يضيق. ووحدي أدافع عن هواء ليس لي لا أهل ولا بلد. والأرض حبلى لكنها بور لا ولد ولا تلد. ومازلت في عمهان لا خيل ولا عشب ولكنني وتد وتد وتد للبيوت الخاويات على أصحابها زبد. تجرف الدنيا رؤاي لكن العيون بها رمد.ما هذه ببلدان إن لم تكن أنت بها المارد والإنسان والبلد. أحد أحد. يوم ولدت كان يوم أحد. وأموت وأحيا في لحد. وعمان العراء وعمان لا أحد. أحفر قبوي في خطاي وأمشي لا أحد أمامي وأمشي . وأظل أمشي إلى أمام عيني لا تغمض رمشي بإرادة الأحرار أضيء بقلبي الدرب وأمشي.
VIII
النمور في اليوم الـ23 تشرب ماء العدس


داخل المشهد، تبدو التفاصيل ذات أهمية. خارج المشهد تبدو الرؤية ذات أهمية. و ما بين خصوصية التفاصيل و عموم المشهد تتجلى رؤية الحقيقة. 23 يوماً كافية حد الضجر للإمساك بالانتهازي متلبساً. و بالمخبر ساهما و بالمدعي متهاويا على الغنيمة. 23 يوما كانت تحتاج لكتاب أرسطو the poetics ليقصقص حسب نسب الطول و القصر اللازمة ما فاض عن حاجة الموضوع من خارجه. و كانت اكثر من كافية لسيدة تجيد فن الطبخ و تقتصد في الكلام لتشير على كل ذي بصيرة أن الطبخة تفسد كلما أكثرنا من طباخيها.
و حلو هذا الملح، مالح هذا السكر، و بعض الأمعاء خاوية بلا طائل أو مبرر غير هذا الصدق الأهبل أو "المسكين!" . أما وقد : " قضي الأمر . مسرح غادرته في ختام المشهد الأبصار" فقد اصبح للكتابة الآن من خارج المشهد ما يبررها كي نحاول الاقتراب من بيت شعر لسميح القاسم في القصيدة يقول فيه:" حائر انت. هل أجدت أداء أم تخلت عن دورك الأدوار؟" . هو ذا واقع 23 يوما بدأت بـ" لم تمثل. كنت الجماهير فردا، و استعار الممثل النظار". و في الطريق إلى المشهد كان بصحبتي من الشباب اثنان اقول لهما مستدركا خيبة النهايات و إنكساراتها ان الاضرابات كالثورات يفكر لها دهاة و ينفذها الشجعان و يقطف ثمارها انتهازيون. راقت لهم الفكرة التي سيتذكرونها خلال اقل من شهور. فالشجاعة ضرورة الجائع لرغيف خبز و المتحرق لسيجارة. فما زاد من الضرورة أتلفها و جعل الرغيف منقوعا و عائما بماء دالع. و عندما يأتي إلى عرين الشجعان قادم و في جيبه وصفة النهايات، لا بأس من أن يلعب دور الممثل لشجاعة تخطف من غيره الأضواء.
و مع أن استفزاز النمور في يومها الحادي عشر أمر غير محبذ إلا أن من بيده مفاتيح الكهوف و الهواتف و الفاكسات و الأختام على شكل مقر محروس من الداخل والخارج يجعل الاسود الجريحة تغني لمحمود درويش: حذار حذار من جوعي ومن غضبي، بعد ان اصبح لحم المغتصب لهوية روحك لحما ملتبسا غير قابل لا للأكل و لا للنزف. فلا بأس إذن أن تعود بسرية تامة لسميح القاسم المحارب لتنشد معه: " لم تمثل. نزفت روحك حرفا تلو حرف. و في العروق أوار. فانسدال الغيوم بات يقينا، فسل الشك هل همت امطار؟" النمور في يومها السادس عشر كانت و ما تزال تأوي إلى الصمت و في عداد أيامها غير الرسمية قبل أن يستلمها المروضون، تحاول ما امكنها ان تفلت من التفاصيل اليومية الداعية في نهاية المطاف للاستسلام لأية وظيفة بأية شروط و بأية وعود و قد باتت تتربص بها نمور زكريا تامر في يومها العاشر حين صار القفص مدينة/ دولة و صار النمر مواطنا صالحا.
كانت النمور القليلة، و أنا ابصر تفاصيلها، قد شرعت تنفصل عن دلالاتها و عن معناها. و كان معناها آخذ في الابتعاد عن جدواها. و كان جدواها ليس اكثر من ماء وملح.أو من ماء محلى بما انفصل عن الفاكهة من عصير لا يحيلك الى الشجرة إن تيقظت حواسك على المجريات بين الغرف أو على الشجرة خارجها،حيث لم تعد دلالة الجزء متصلة بالكل. هذه شجرة إن أردت و لكنها معتقلة في باحة المبنى و ليست غابة. بينما غابة فتاكة من الأسماء على الورق تتكاثر و تتناسل و لا تقطر ثمن علبة سجائر في احسن الأحوال.
عم تبحث يا فتى الأوديسة المكسور؟ كان لابد من درويش و قد تركنا سميح القاسم لشعب يحميه و نحن كأجمل الرجال الغرقى في تفاصيل المكان. و كان لابد من قصيدة سميح القاسم " الممثل" كي نحذر و نحاذر عندما يعلمنا نحن التلاميذ:" لا تمثل. تحت المنصة لغم، فوق المنصة لغم، و فيك انفجار". و كنا ثلاثة قد أدركنا بواقعية مبتذلة يا احمد دحبور أننا نجتاز صبرا عناوين خلافات مضت كي نعلو، رغم أن "العالي يصلب دائما" حاضر في التفاصيل كقصيدة و كفراشة. ماذا نقول للناس و قد انتقانا المكان ليجعلنا 1+1= مفردا بصيغة الجمع ؟ و غريبا تاهت عن خطواته الطريق! ما تلك الإشارة؟ تساءلت: هل هي أوامر من مراتب حزبية اعلى ؟ اهو الإرهاق بلغ من الشباب مبلغه فلم يعد الواحد منهم يفرق بين نهاية و نهاية! هل يرجو المثقف السلطة كي تحتويه؟ هل أصبحت الأحزاب أقل فاعلية من جمعية خيرية من أهدافها البر والتقوى؟ ولأكثر من مرة كانت التحذيرات تشير: أنت أيها الإقليمي( المقصود الفلسطيني!) إما أن تبقى ضيفا مؤازرا و إما أن....(المقصود استدعاء الجهات المختصة). و أخيرا: اخرج .... إلى.... غادر إلى بيتك .. حتى رؤيتك في الشارع العام باتت استفزازية في منتصف الليل! و روموك في بئر و قالوا لا تسلم ! قال لهم ببرود اعصاب و هو في الشارع: لو كان لي بيت مثلكم لما اضربت، بل لكتبت أو ابدعت. يقول سميح القاسم:" لم تمثل. صغت الحياة فلا كتاب نص و المخرجون إبتكار". و هكذا يخرج الحائر من المشهد ليراه و يعود صديقا لسميح إذ يقول:" كنت من كنت في الجحيم رسولا، ضاع، لا هجرة و لا انصار" فما أشهى الآن شوربة العدس بعد 18 يوما من الإضراب عن الطعام. " كنت من كنت. الف دور و دور و النهايات خيبة و إنكسار. و لم تمثل، انطقت قلبا جميلا فتح الورد فيه و الجلنار".
IX

من تقرير خبير الفضاء المختص بالصخور

أما وأنتم تتحدثون عن كائن، فهذا ليس من اختصاصي، فأنتم لم تتحدثوا عن صحن طائر مثلاً ولا عن صورة صدام حسين على سطح القمر هذه المرة، إنما عن شخص، أو كائن فضائي كان أم غير فضائي، لكن تجدر الإشارة علمياً هنا، هو أننا على هذا الكوكب لسنا جميعاً مركزاً للكون الفلكي ولذلك لسنا أذكى مخلوقات في هذا الكون وبكل تأكيد هنالك مخلوقات فضائية أكثر ذكاءً منا، وهذا الاعتقاد له ما يعززه عندما انطلق سرب من القاذفات الأمريكية متجهاً لجمع حطام طبق طائر قرب الحدود مع المكسيك، وأظن أن هذا وقع يوم 6 أغسطس عام 1969. ولعلنا، إذا ما نحينا جانباً الأسرار العسكرية بين أمريكا والاتحاد السوفيتي السابق والصين حتى يومنا هذا، نستدل من واقعة أخرى على مصداقية ما نقول، فلا أحد يعترض اليوم على صخرة صغيرة بحجم حبة البطاطا جاءتنا من المريخ ويقدر عمرها بـ 13 ألف عام، أي أقدم من أقدم مدينة في كوكبنا بألف عام، وتلك الصخرة لم تأت بالطبع من جبل المريخ في عمان، وإلا لتمت نسبتها للانتفاضة الفلسطينية أو ثورة الحجارة دفنت في الثلج القطبي نحو 13 ألف عام وتبين عام 1996 أنها تحتوي على أحافير من البكتيريا الأمر الذي يدفع ببعض العلماء إلى الاعتقاد أن المريخ الذي شارف على الموت ككوكب ومجاله المغناطيسي آخذ بالاضمحلال والضعف التدريجي هو الأكثر شبهاً بالأرض . ويعتقد أن حياة ما كانت تسود عليه قبيل ملايين السنين، فقد أثبتت فحوص الكربون أن أقدم صخرة وصلت لكوكب الأرض من الفضاء الخارجي كانت منذ ملياري عام، وأنتم لا تتحدثون هنا عن صخرة من جبل ولا عن حجر بل عن كائن حي، يا للعجب!


بين الماء والتفاح

ما بين البيادر في الحارة الغربية وما بين(الحرحوج) ثمة مسافة لنبض قلب الفتى تبدو اليوم خافتة باهتة بعد مرور 46 سنة عليها. المسافة بين الماء والتفاح لمن ملأن جرارهن في الخمسينيات من القرن الماضي من حاووز الحارة الغربية(الذي كنت أشاهده بمن فيه من الصبايا والنساء من ساحة الدار المطلة على الوادي والسهول وشمس الغروب والجبال البعيدة التي تخفي وراءها البحر الأبيض المتوسط والأندلس) وممن بيوتهن بين أشجار الزيتون والتين والمشمش والتفاح في الحرحوج ، حين يكن في طريق عودتهن محملات بجرار الماء لا بد أن يمررن بالبيادر، ساحة الأعراس الليلية والدبكات وساحة التعديد والنواح وتوديع الموتى الذين لا بد أن تمر جنازاتهم بعد الصلاة عليها في الجامع بطرف البيادر متجهة لسفح الجبل حيث المقبرة، كن يمررن من خلف بيتنا تجاه(الحرحوج) يحملن الماء للتفاح، عندما لم تكن هنالك أمريكا في ذهن الفتى وإنما كانت (الزعرورة) تلك اللافتة للنظر لأنها فقط قصيرة القامة ومدهشة. ظل ابن السادسة من عائلتها نسبة لآل أبو علي الذين يقطنون الحرحوج مع آل غانم- يناديها بالزعرورة قبل أن يسمع أغنية فيروز دون أن يدرك أي سحر في مشيتها تلك سر قلبه الصغير، ودون أن يدرك ما للطفها ومودتها له من معنى الحب لطفل مثله، كانت تداعبه بسرور لابتكاره التسمية لها بـ(الزعرورة) فهل كانت قد سمعت عام 1957 مثلاً أغنية فيروز (هيك مشي الزعرورة يا يمة هيك)..؟ وبنفس المشية ونفس الملامح ونفس القامة كانت شاعرة من أسبانيا تقطع المسافة ظهر 26 تموز بين الباص المكيف وموقع البتراء الأثري. إنها زعرورة الأندلس دون جرار ماء وقد توارى (الحرحوج) في الذاكرة.
كان ممكناً لأية لغة يا صديقتي أن تفسد المشهد، فأنت هي، لكنها ليست أنتِ، فأنتِ أنتِ ولا تزالين مثلما كان مشهد جزيرة ما من الطائرة يستدعي ملامح شخص كما رأته شاعرة من أيرلندا. فإن لم تكن مهمة الشعراء تصغير العالم إلى حارة أو بيدر، فمن سيقوم في هذا الكون الشاسع بالمهمة؟ بالطبع أدركت ما لحدس المثقف من معنى بعد أن قرأت في مقابلة مع شاعرتنا تلك كيف تفهم المعنى والدلالة في وجود لوركا ابن بلدكم في نيويورك عند انهيار وول ستريت وانتحار الخاسرين في البورصة.
على هذه الأرض ما يستحق الحياة، عبارتنا جميعاً التي صاغها بتفنن الشاعر محمود درويش .لكن دعينا استرسل في الذكريات وليس الحلم، لأروي لكما وللقارئ ولصديقتنا الثالثة في بوخارست، كم من الجِمال الكهلة كانت تمر محملة بسنابل القمح تارةً أو بالحمص الأخضر أو بالسمسم من خلف بيتنا وإن تلك الجِمال هي حقيقة أسلاف لمئات الـ (Baby Camels) التي توزعت في الشتات وتكّهلت ولم تعد تثير الدهشة وبراءة المحبة الأولى التي يمنحها كل قلب سليم معافى للأطفال والقطط الصغيرة والصيصان.
فاتني أيضاً أن أقول لكم أنه كان في بيتنا صيصان وحمام وزغاليل وقطة وديك حبش مزهو بذكورته وكهف (مغارة) خلفية في سفح الجبل الذي يرقد فيه موتانا بين ورود الطبيعة وأعشاب الربيع وكأنهم لم يموتوا بعد لكنهم يستريحون قريباً من مدى البصر في بيوت حجرية تدلل على أسمائهم وتاريخ انقطاعهم عن الحركة في شوارع وأزقة تلك القرية التي لا أدرِ كيف رأيت مثيلاً لها في لقطة لوحة لجزيرة سانتوريني اليونانية دون أن أحس بفرق بين مشهد (الجامع)، ومشهد الكنيسة في اللوحة التي كنت أعلقها بعد أول زيارة لليونان في منزلي في الكويت كأنني استعيد ماضي الأسلاف منذ كريت حتى لحظة الهيام بقرية الطفولة غير المستعادة. لا علاقة هنا كبيرة بين(الحرحوج) ورواية Paradise Lost إنما ما أذكره من كلمة Paradise أنها كانت تعني الحديقة فقط ما قبل ظهور الديانة المسيحية وأنها باللغة التركية تعني (البهجة) وأن الأخيرة باللغة العربية تعني مسرة القلب قبل مسرات العين، وهكذا علينا ،حيث لنا علاقة حميمة بالأدب والفكر والإنسان، أن نلتفت لبهجة القلوب في الكلمة المنطوقة أو المكتوبة. أتذكر هنا لماذا شرعت صديقتنا الرومانية تكتب الشعر باللغة العربية رغم تشويش علي أحمد سعيد(أدونيس) على بكارة إحساسها بالمفردة العربية الطازجة، إن مفردات لغتنا بالنسبة لها ما تزال تلك المفردات الجديدة المدهشة سواء لدى جبران خليل جبران أو لدى محيي الدين بن عربي والمتصوفة، ولم تحمل بعد بالنسبة لها ترهلات وانزياحات وابتذال الدلالة، أي ما طرأ على الحياة لدى العرب خلال القرن الماضي من تشوهات جعلت بعض من كانت أسماؤهم تشير لعلي ابن أبي طالب مثلاً يضيقون ذرعاً بالدلالة دونما سبب سوى فتنة مطلقة إما بماضٍ أسطوري أو خرافي أو بمستقبل عالمي يضعهم في مصاف سان جون بيرس مثلاً، ولأن الزعرورة الأولى والزعرورة الثانية نادينني بنفس الاسم فلست مضطراً لتغيير اسمي. للأسف طرأت تغييرات مأساوية على اسم ابنتي منذ 12 سنة، فبعد أن عاشت 14 عاماً بإسم (الزا) توجب عليها بقرار لا خيار لها فيه أن تعيش في مدينة الزرقاء الأردنية- باسم فاطمة، ومع ذلك ما زلت ، لو أستطيع ، أناديها باسمها الأول دون أن يشكل لي اسمها الثاني أية حساسية أو ضغينة، فالحرية بمعناها الوجودي لربما- أحسستها أول مرة عندما ركض بي شابان أكبر سناً مني إلى الحرحوج وكل منهما أمسك بذراع من ذراعيّ مرتفعين بي عن سطح الأرض لكأنني منذ عام 1956 كنت مرشحاً للطيران قبل أن أستعيد أجنحتي التي ولدت بها منقوصة من وجودي البشري.
بالطبع استعضنا نحن البشر عن ذلك بالأحلام، فمن منا لم يحلم في سنينه الأولى بأنه طائر في السماء! غير أن الفخاخ دائماً كانت منصوبة لنا وما تزال، لست متأثراً بقراءتي لجيمس جويس هنا على الإطلاق، ولكن كوابيسي الأولى هي التي جعلتني أتذكر أنني كلما حلمت أنني أطير فقدت قدرتي على الطيران فوق غابة وحوش أو أفاعي وليس فوق حديقة أو بحر، وكلما هبطت من علو شاهق لا أهبط إلا فوق مستنقع للتماسيح أو الضفادع. وما الرغبة التي تنتابني بالموت سوى محاولة يائسة للتحليق، أي تحليق الروح بغير رجعة، وهذا يعني الرغبة الأصيلة لدى البشر بالتحرر من أثقال وأعباء الجاذبية. بالطبع لدي تحفظات على ذلك كي أستثني جاذبية المرأة للرجل أو العكس والعلاقة بين الماء والتفاح وما إلى ذلك، لكن الحلم، كما أظن، أقوى لدينا دائماً من الواقع.

شعراء في بيت الإفتاء

كل من اعتبره المهرجان شاعراً أجنبياً دخل بيت أبي سفيان آمناً سواء كان بيتاً للشعر أم بيتا من الشعر أردنياً كان أم توأمه والمتوكل . وكل من أصبحوا شعراء وكتاب على نفقة الشعب الفلسطيني وقضيته، التي تصرف لهم رواتب تقاعدية حيث يتقاعدون ويكتبون أو يستكتبون من القاهرة حتى باريس ولندن ولا دخل هنا لبن باديس بهم ولا بما يأتون، فهم في غيهم ماضون وعن مستقبل شعبهم غافلون. أما هؤلاء والعرب الآخرون فإنهم يتحملون مسؤولية أخلاقية في النهج الذي ينهجون وتحولهم إلى مديري علاقات عامة لتأثيث بيت المهرجان المقبل واستبعاد أية كائنات فضائية. وبادئ ذي بدء عدم إعطاء الفرصة لأي طبق طائر بالهبوط في الفندق أو في كشف أسماء المزمع اصطحابهم في الرحلات السياحية بعد أن تكشف أن الكائن الفضائي ورد اسمه في كشف الرحلة كمحاولة للتدجين أولية فما كان منه إلا أن ركب رأسه قبل أن يركب الحافلة وظل محتفظاً بطبقه مثل جبالية نابلس ملحاح مصرار لا يرعوي من أن له حقاً من الصحن في متابعة الشأن الثقافي جنباً إلى جنب مع حق أي إسكافي في العيش الكريم فوق الأديم ولو مدة محدودة من السنة لا تتجاوز الأسبوع أو الاثنين لأن الحياة كما هي المناسبات( قرضة و دين) فما أن انفض المهرجان حتى عاد إلى ذكراه مع جان* ويقال أن اللجان أفتت أنه لا يصلح لهذا المكان لا كمحتوى ولا كعنوان فقد أحرجنا وكان الذي كان. وقد علم أن الشعراء والمثقفين العرب هزوا رؤوسهم موافقين على تلك الفتوى.

إشارة للشاعر العراقي جان دمّو
صيف أن أمطرت مهرجانات ومؤتمرات

بذهول حقيقي كانت شيند تستمع لشروحاتي.
هو ذاك جزء بسيط من البحر الميت أكثر بقعة منخفضة عن سطح البحر في الكرة الأرضية، أما تلك الجبال البعيدة فإنها ما يسمى بالضفة الغربية فلسطين- لكنها حالياً إسرائيل، إنها الأرض المقدسة، وفجأة تدخل طرف ثالث من إدارة مهرجان جرش نافياً أن يكون ذلك البحر الميت بكل ثقة وتأكيد ثم طالباً منا التوجه للباص الذي لم يمض على توقفه عند مرتفعات السلط المطلة على الجهة الغربية من البلاد خمس دقائق، شيند احتجت بدهشة الشعراء الحقيقيين قائلة أنها لا تريد مغادرة المكان وكانت عيناها تذهبان للبعيد البعيد في القصيدة، إنها لحظة الشعر، أعلم، وسرعان ما تذكرت موقفاً مشابهاً مع رامبو الفرنسي فأدركت خطورة الموقف، دعوتها فوراً لتلبية الأمر كي لا ينطلق الباص وأصبح مسؤولاً عن تخريب الرحلة وربما جدول أعمال المهرجان، قلت لها: هيا، لا تعملي لنا الآن رامبو هذا الزمان، فالأمر لا يحتمل اكتمال القصيدة الآن لأنها أصبحت منجزاً ما دمتِ قد عشت اللحظة، ولنعتبرها ضمن المؤجل مما سوف تكتبين. ركبنا الباص سمعاً وطاعة ولا أعرف حتى اليوم كيف سوف تعبر شاعرة من دبلن عن هذا الموقف شعراً أم نثراً، لكنه بالنسبة لي موقف لا أحسد عليه، فما وراء الجبال تلك التي رأيت جنتي المفقودة ومسقط رأسي وسنوات الطفولة وأرواح الشهداء والقتلى ونقطة الضعف الكامنة بي كلما سمعت فيروز تغني لمن هم هناك(يا جبل اللي بعيد... خلفك حبايبنا).
ملاحظة.... للشاعرة شيند ديوان شعر بعنوان( بين هنا وهناك) وعندما أتأمل الموقف اليوم أراه أن شيند تملكتها الدهشة وما في ثقافتها عن المكان لكنه ليس المكان الحاسم في أسئلتها عن الذات والوجود مثلما هو بالنسبة لي كأنه أحد أسئلة الوجود التراجيدية أو سؤال هاملت عن الذات، تكون أو لا تكون تلك هي المسألة.
وقد استحال هذا السؤال منذ حزيران 1967 حتى اليوم إلى أحد الأسئلة الوجودية بين الهنا والهناك ولا أعلم حتى اليوم من رفض طلبي وتوسلي للعودة إلى القرية التي أعرف والجبل الذي أعرف، أهو السلطة الفلسطينية أم سلطان الاحتلال، وكلاهما لا مصلحة له في وجود أمثالي فقد طلب مني الكاتب الفلسطيني رشاد أبو شاور- عضو الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين أن أصمت لمدة ثلاثة شهور على الأقل إن هو تدبر أمر دخولي حيث أن شعبنا في الداخل لا يعرفنا تمام المعرفة وقد ينتهي بي الأمر لأي سوء تفاهم في سجن أريحا، وبالتالي لا أكون قد فعلت شيئاً في حياتي سوى استبدال السجون من معتقل إلى معتقل، ومن زنزانة عربية إلى زنزانة فلسطينية أو إسرائيلية ومن إضراب عن الطعام إلى إضراب آخر عن الطعام في أحسن الأحوال، ولعل شيند لا تعلم أنني مثلها أتعرف كما الزائرين والعرب الضيوف والأجانب على الأردن والذين لولاهم لما وجدت مكاناً لي في هذه الرحلات والجولات غير المخصصة للمواطنين المغتربين .ولمدير المهرجان بالطبع- كل الشكر، ولأهالي السلط كل المحبة والعرفان من العقبة حتى عمان، وكذلك لبنان وأهل لبنان من الزرقاء حتى جبل لبنان، ومن عالية وسوق الغرب حتى بلودان، فماذا بوسعي أن أقول غير ترديد أغنية فيروز عن(تراب الجنوب) وبرفقتي الشاعر شوقي بزيع هذه المرة ومنذر المصري و(آمال شاقة) كل مرة؟
ملاحظة: كان منذر مصري أول من بادر لإرسال رسالة إلكترونية لي بعد انفضاض المهرجان في صيف أمطرت به مهرجانات على الأردن وتحديداً على عمان والفحيص ثم على الخالدية شعراً نبطياً وعلى بقاع شمال الأردن ومجمع النقابات كلاماً وكلمات، لكن عزوفي عن متابعة بقية المهرجانات كان له ما يبرره صيف عام2004 فقد أمطرت قنابل ورصاص على النجف في العراق آنذاك ولم يعد لدى الإنسان المقموع والمحاصر أي مساحة للفرح والابتهاج في ظل إضراب المساجين الفلسطينيين والأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي عن الطعام، الأمر الذي حملني على الصبر أنا الآخر وتأجيل إعلان إضرابي عن الطعام قبل أن يطردني صاحب المنزل الذي أستأجره مثلما فعلت وزارة التربية والتعليم من قبله في أيار من نفس السنة وفي حزيران عام 1999، رغم كل الجهود المخلصة في أن أكون معلماً ممتازاً لطلبة فقراء أو متوسطي الدخل وأحبهم.
وفي ذلك الصيف أيضاً بدأت سلسلة من المؤتمرات بدءاً من مؤتمر( مستقبل الثقافة والفنون في الأردن) إلى مؤتمر (الفقر والبطالة في الأردن) ومروراً بالمؤتمر الصحفي الذي كان ينعقد كل يوم اثنين للناطق الرسمي باسم الحكومة، فكنت على أية حال أواظب على حضور بعضها بصفتي متطوع وبلا عمل أو دخل وأنفق واستدين على أمل قرار يصدر من المحكمة يلزم أمانة عمان بتعويضي عن غرق منزلي السابق في الجاردنز بوحول الشتاء على ارتفاع 175سم ليلة 4/12/2001م

IX
البحر لا ينام في غرفته أحياناً

يهدر البحر أحياناً لأنه يضيق ذرعاً بمتأملٍ على الشاطئ أغراه انحساره ولم يحرك ساكناً وكأن البحر خُلق للرسم والتأملات والأحبة في ضوء القمر. ويهدر البحر أحياناً ليحمي كائناته وقد نأى عنها ما يكفي معرضاً إياها للخطر والمتسكعين والفضوليين غير الآبهين بأن بعض الكائنات لا تعيش طويلاً خارج مياهها.
ويعوي البحر أحياناً نواحاً على سمكة جريحة. يتقدم البحر هائجاً أحياناً انتقاماً من تشفي السواح من تراجعه وتقهقره إلى الخلف لأنهم لا يغامرون من وهنهم بمواجهته بسواعدهم وأجسادهم. لكن البحر في عمان ثائر لاعتقاله سنتين متصلتين داخل الحب أحياناً وداخل القبو أحياناً أخرى أو داخل الوظيفة أو داخل الكومبيوتر أو في علاقة تنز أوهاماً بالتحاقها بمشاريع خدمة الحاشية وإجادة العولمة. والجوع في كل الأحوال كافر بالبلاط والوهم والحاشية والشاطئ وبالبحر أيضاً. ماذا يفعل البحر وهو يفترس الشاطئ ويبري الصخر ويجلد الزمن؟
الأرجح أنه ينظفه من ليلة الأمس أو ما تسبب به الانحسار الأخير.البحر الغاضب أيضاً يكنس الجرائد والمجلات والبيانات والورق فقط لأن الخارطة لا تذكره بقدر تغنيها ببحر ميت تزدان به ويأتي لمرآه القاصي والداني من سواح العالم للتفرج عليه وهو ميت ولركوبه وهو ميت وللاستلقاء عليه وهو ميت وقلما يغوص أحدُْ عموماً في بحر ميت، فلماذا تريد الفتاة بحراً ميتاً؟ ولماذا تريد أجهزة الأمن والسيطرة بحراً لا يهدر ولا يتقدم ولا يغضب ولا يستنكف ولا يتمرد ولا يثور على أغلاله؟ وفقط تريد مراقبته وهو يدخل في غرفته كزنزانة مفردة وحيدة دون ضوء أو ماء أو كهرباء ودون نوافذ ويُحكم إغلاقها عليه بعد دفعه للأجرة الشهرية في بداية كل شهر. وتريد منه كذلك أن يظهر للعيان كأن يذهب إلى الوظيفة ليوقع توقيعي الحضور والانصراف ويطلعهم كذلك على كل أفكاره وخلجات قلبه أثناء عزلته في القبو. يا إلهي. هل يعتقلون البحر في عمان هكذا ؟وإذا كان الأمر كذلك في عمان فما بال البحر الأبيض المتوسط هائج وبحر يافا متمرد وبحر حيفا ممتد حتى الكر مل وبحر غزة ضائع في مخيماتها وبين الجرافات يعلو هديره هديرها وبحر القدس يفتش بين الصخور عن بقايا مسلمين ومعابد وكهنة تائهين انصرفوا عنها لاستكمال كتابة مخطوطاتهم داخل كهوف قديمة في قمم جبال تطل على بحر مات ومات آلاف المرات ولم يشبع لا موتاً ولا سائحين .للبحر بحر يؤويه من العسس والمخبرين والانتهازيين ، وللسمكة ما ترى . وللعاشق ما يعشق وللميت صمت الصخور القديمة تحت شمس لاهبة .
للبحر أيضا ما يريده في سكناته وتقلباته واندفاعاته . إرادة البحر فوق كل الحيتان وأسماك القرش والغواصات النووية ولوث المدن وأوساخ العواصم ، لا تعلوه سوى نوارس الحياة السابحة في فضاء الحرية والباحثة عن الحياة في الحياة ذاتها.
هكذا بموازاة قمم الجبال العالية وإرادة الشعوب التي لا تقهر هكذا أطول عمراً من المشاريع الاستعمارية التي سرعان ما تتدحدل بضربة حجر . الأبله الوحيد الأصم في كل ما يجري هو برج إيفل العاجز عن رؤية الجزائر رغم عنفوانه وشهرته وطوله الفارع . الحديد الوحيد الذي لا يستفاد منه في أيدي العمال ، والحديد الوحيد الذي لم يرغم العمال على صنع قاصفة ميراج منه للمشاركة في نهب النفط ودغدغة بلاد الشفط وإسباغ الوعود الوردية للراغبين في اللهط على فتات موائد المعونات الأجنبية بحلة وكوفية عربية مزدانة بدق المهابيش ووعود الخلاص من الخرابيش للفتاة الأمريكية . أي رباط مقدس يا ترى سيوفق البحر والشاطئ في الحياة الزوجية. شاطئ يداس بمن فيه ومتسخ كماضيه وبحر غاضب على من فيه؟
X
أزمة الكائن في التكوين

عندما نتحدث أو نكتب في موضوع ما، فهذا يعني أن نصمت عن موضوع آخر، وأحياناً نضطر للصمت عن الاثنين معاً صمتاً مطبقاً الأمر الذي كان شديد ما يزعج ناجي العلي، ذات مرة نهرني بشدة وكان متوجهاً لجريدة القبس مع محمد الأسعد، مالك صائم! وبقيت فعلاً صامتاً تاركاً الصديق محمد يتكلم أو يكتب نيابة عني فيكون والحالة هذه مسؤولاً عما يكتب وعما يفعل إلى يوم الدين كما يقولون عادة-. بكل أمانة، هنالك مواضيع ليس من حق الكاتب أن يخوض بها بصراحة وصدق، فالصمت أفضل خاصة إذا كان الكاتب أباً أو بمثابة الأب أو الأخ الأكبر لغيره خشية أن يتحطم المثال - على حد زعم مسؤول الساحة -، ساحة الكويت- للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين آنذاك في أواسط السبعينيات، وهنالك مواضيع مضطر أن يصمت عنها الفنان الملتزم أيضاً، خاصة عندما يكون متورطاً في قضية كبرى. هذا الاعتراف لا يقلل من شأن أحد لكنه ضرورة ليس من الجائز أخلاقياً تجاوزها، فماذا لو قلنا في أسئلة الحرية أن ثمة استلاب قائم لي منذ لحظات التكوين الأولى إنني أحمل اسم أخي الأكبر الذي ولد ميتاً؟ هذه حقيقة أزلية بالنسبة لي، خاصة عندما وعيتها فيما بعد. لسبب غامض جاء الابن البكر لوالدتي ميتاً تماماً، منسحباً تماماً وربما محتجاً تماماً ورافضاً تماماً مما أدخل الحسرة والحزن في قلب أمه وبالتالي أمي أنا أيضاً وإذا صحّت النظريات العلمية عن التكوين فإنني بدأت أتشكل في أجواء جنائزية جعلتني فيما بعد قريب القلب واليد واللسان من جنوب شرق تركيا ومن الموسيقى والتراتيل الحزينة أكثر مني قريباً من الفرح، توالت الخسارات ومتتاليات الفقدان في كل شيء وصولاً للنصف قرن الذي عشته واليوم دعوني افترض التالي:
هل حرمت روح أخي الأكبر لسبب غامض آنذاك من الصعود للسماء وظلت تحلق حول الدار إلى أن حلّت في جسدي؟ هذا السؤال يفيد إسرائيل بكل تأكيد لأغدو من باحث عن مساحة وطن إلى باحث عن روحي، وهو افتراض يفيد ويعزز وجهة نظر جان بول سارتر وعموم الوجوديين ويجعلني أقرب إلى أدونيس الذي احترمه فكرياً ولا أهضمه شعرياً فأنا رغم ملاحظاتي الدقيقة الرائية لمحمود درويش الشاعر إلا أنني أحب شعره واعتز به كشخص، مأساة أن يستشري فيك الناقد والساخر معاً، هي حقيقة ممتعة في ظلال الكرمل وتأملات إيميل حبيبي ولكنها حقيقة لا تبعث على البهجة وتفقد صاحبها متعة الخلق الإبداعي والدهشة، قليل ما اندهش ولذلك لا أعرف كيف تمكنت من كتابة عشرات القصص والنصوص وأحياناً الشعر، هل كل ذلك كان من أجل إحكام الصمت على موضوعات أخرى كالحب والكراهية كالرؤى ومعايشة التزوير السياسي والأيديولوجي؟ ربما، فلست ملزماً اليوم أيضاً بأداء دور الناقد أيضاً لنفسي في ظل انتهازية أو كسل النقاد والدارسين ولكنني افترض استمراري في الكتابة ، رواية، شعراً ، مقالات، هواجس أو قصص ونصوص إبداعية، نقد إن شئتم وأي شيء كمعادل موضوعي للصمت الذي أحتاج المزيد منه كي أصل الفضاء، أجل الفضاء الذي يؤنسني ويجعلني أحس عميقاً سعة الكون وأتجاوز كثيراً تفاهات هذا الكوكب وعراك من عليه. ليس تصوفاً كاملاً ، بالطبع، فلم يعد لأولئك مكانة اليوم أو مكاناً على هذه الأرض إلا إذا كانوا أغنياء وأذكياء أصحاب ضمائر حية ليصبح التصوف بالنسبة لهم ترفاً أكثر منه ضرورة، بالمناسبة قرأت( ضرورة الفن) لأرنست فيشر الذي قلما أتذكره هذه الأيام، إذ يبدو أنني أصبحت في الأردن مطالباً بحل لغز ضرورة الوجود أو عدم ضرورته، ومن هنا تنبع آبار السخرية التي أحاول الحد منها لأنها تغدو مؤذية أحياناً وفتاكة أكثر مما يتصورها الكاتب الفاتك وغيره من الكتّاب قاعراً كان أو مقعوراً أم بين بين، لست هؤلاء ولا أولئك، ففي هذه البلاد قاطبة من الصعب أن تتبلور بوضوح وفي هذه اللغة ما عاد بإمكاني أن أشتم أصلاً حيث الشتائم أصبحت أيضاً مبتذلة وفقدت وظيفة معناها وأصبحت كالسياسة هراء في هراء. في الماضي كان الكتّاب في عصر بيدبا يلجأون للترميز والآن للانترنت، وكلا الملاذين بالنسبة لي غير مجد. إنه النجم البعيد الذي لن أشهد ولن أبصر ولن أستمر حتى دخوله مجرتنا ذلك الذي يشغلني ككائن فضائي وليس القضية الفلسطينية أو القضية العراقية ولا الأردن أولاً ما يشغلني، يشغلني صمتي كثيراً وما أنا محروم أبدي منه، الأجنحة، وإن كان في مصير إيكاروس بعض عزاء، وما لم نستطع البوح به وقوله وإن كان عزائي في جزء منه صمت لويس آراغون بعد رحيل إلزاه. ولي عزاء أيضاً في صمت يزهار سميلانسكي بعد أن تفاقمت المأساة. ثمة عزاء إذن لأي كائن فضائي إن كنته على هذا الكوكب، رغم أن لا جديد فيه بعد أن تفاقمت أمريكا وانتشرت في كل مكان كداعية للديمقراطية حيناً وكداعية لحقوق الإنسان والحرية التي ليس لها(جنحان) ورغم إبصارها ونسيانها لتغلب الحيوان على أخيه الحيوان والإنسان وامتلاء بحارها بأسماك القرش والحيتان.
ومع ذلك أقرأ أحياناً في سفر التكوين فلا أجد مثيلاً لمعضلتي، يا للعجب، للسائل والمسؤول ومن وهب، لعلي أريد إذن مزيداً من الوقت وبكل تأكيد المزيد من الحياة كي لا أتكاسل عن المساهمة في حل الأزمة، وتفهم أبي لهب.

بالامس سأكون ما كنت سوف أكون


في كل ليلة يتمدد جسد أمامي كجثة هائلة من الحزن النبيل. ولا أحد ينتبه إلى تضاريسه الممتدة من المغرب إلى الخليج الدافئ الرطب. ولولا ان الشمس تشرق لتعفن هذا الجسد و لانبعثت منه روائح لنباتات و اعشاب منقرضة. لا اوقظه عندما ينام منطرحا أمام عيني فهو على الأقل لم يطلب مني ذلك، و لم يشر علي بأية فكرة أو ايحاء من هذا القبيل. لعلي ألفت هذا المشهد و اعتدت على الصمت و التأمل و عدم التدخل، خاصة عندما أكون نزيلا لفندق شعبي غير مأهول في الزرقاء التي تسمي نفسها مدينة. و بالتحديد عندما يثقل كاهلي شاب الفندق الفتي و الكسول بسؤاله عن أجرة المبيت. و في مثل تلك اللحظات يكاد هذا الجسد الخرافي ان يتململ و ليته يفعل . و يكاد يتثاءب لكنه لا يفعل. انه حزن ثقيل فقط. حزن اكبر من ان تحتويه عين. لكنني موقن و ما اعمق يقيني بأنه نبيل. لا يريك ملامح وجهه كي لا تعتاد عليه فتمل رؤيته او يضجرك حضوره البهي. لكأن آلهة الإغريق اختبات فيه قبل وفاتها بلحظات و لكأن سيزيف ما يزال يحتضر فيه. فقد اختفى بروميثيوس و شعلته في هذا الليل. أو لعلي لا أدرك أن برميثيوس ما يزال يتعذب على سفح جبل تطوقه الأسلحة النووية و الجرثومية و الكيماوية و قد كتب لمناقير الطيور الجارحة ان تزداد صلابة و قساوة في توالدها المستمر كي تورث مهمتها الإلهية . هل قيل انها مناقير الصقور أم النسور؟ لا أدري، فلا جدوى من ان أدري فثمة لا فرق لبرومييثوس الآن بعد مرور السنوات دون ان ينبري أحد للتدخل في ما آلت اليه اقداره" سارق الشعلة" هل قيل: سارق؟ لا بأس ، فتلك رواية التاريخ و قلما يعترض تواترها احد في زمن يتناسل و يكف فيه الأنبياء عن الظهور العلني . هكذا أمضى الليل في الزرقاء في الفندق في الأردن في الشرق الأوسط في ما أصبح يخصني من أدوية الآم الصدر و القلب و تصلب الشرايين و التوق لأن لو لم أكن بحاجة للتدخين و النقود و النوم جنبا إلى جنب مع جثة الحزن النبيل. ماذا يخبئ هذا الجسد الهائل؟ و ماذا لو استيقظ فجأة منتصبا لتتساقط الطائرات على كتفيه مثلما يتساقط الذباب! إنها إحتمالات النائم الجميل في بلاد كل ما فيها جميل لولا تزاحم البشر مع الذئاب و إندهاس الحمام في لجة الفوضى و اندغام الهديل بالعويل. انها احتمالات لا ترقى إليها عبقرية المتخيل لاجمل الرجال الغرقى. لعلها احتمالات و كفى أو لعلها وهم بالي الجذور كي ينقرض الشجر الضخم و لا ينتمي الحزن لهذا الكون. هذا الكون الشاسع الكبير المتسع المسافر الثابت البهي المتعادل المعتدل المتوازن المتسق الحكيم، إنني الكائن البسيط الصغير غير المرئي في حضرة هذا الجسد. ليل جثة الحزن البهيم. إنه حزن عميق و كفى. حزن كائن و مجرد و متكامل . حزن لا يشبهه من هذه المخلوقات شيئ لله وحده الكائن في صيرورته و تحوله و إتساع رؤاه. من عظام البسطاء أمثالي تتكون الصخرة و الكلس و الحجر. هل يتدفق الماء في خرير يشبه ما قبل البدء؟ و هل سأقوم بعمل ذي جدوى لاكسب فرصة تسديد أجرة الفندق و ما يطمح إليه فتى الفندق الكسول؟ سأفكر في كل هذا غدا و بطفل يناديني : بابا، و بعيني ديما، ابنتي، الغرقتا بدمع الحزن المبكر.
حزن ديما النبيل. فقد شاهدتني بصمت و فهمتني بصمت كما الزا دون ان تقول أي منهما:" بابا". أشهد الآن انني رأيت ذلك و ليس في الأمر أي تصعيد للخيال. ابنتاي تعيشان، تنامان، تصحوان ، على مسافة أمتار من فندق أقيم به و في الزرقاء. فلماذا حدد مركز البوليس ساعتين كل خميس لمشاهدتهما؟لا أدري. لعلهم اتفقوا مع من تولدوا منها على : " فراش الزوجية الصحيح" ان يتم تعييني حارسا لهذه الجثة الطريحة المتضاخمة و المترهلة من آثار حزن عربي غير نبيل. و هل هناك أحزان غير نبيلة؟ الحزن هو الحزن . الوعي هو الوعي. و ما أراه في وحدتي ناصع مثل شمس واضحة لكل ذي بصر و دافئة لكل ذي بصيرة. اما رؤاي فجرداء عارية مثل هذه الصحراء التي لا تكف عن الإمتداد . صحراء في الجبل صحراء في الوديان في القلوب و في نفوس البشر. و جفاف يا ديما لولا دمعة عينيك، صحراء في حي رمزي في المركز في المحكمة الشرعية الجنوبية في بيوت الأصدقاء في الشارع المؤدي إلى مادبا في عمان في كل ما هو ليس بحرا، وليس نهرا ، وليس فضاء، وليس سماء و ليس غيما، وليس أنا . غدا سأرى لأكون. فإما ان أكونه هذا أو لا أكون .بابا..بابا.... سأناديكم في الضباب المخيم على مادبا و ذيبان و لب و مليح و العريش و الجرينة و الجبل . أين الجبل في هذا لضباب الشتائي القارس؟ في لجة الضباب الكثيف؟ و أين أنتم و أين النقود و أين التاريخ؟ خذواالتاريخ كله و ادعاء إمتلاك الحقيقة و اقتسموا حصتكم و امكم. فلن أنسى ما رأيت أو ماأرى. ليكون نجما و يكون قمرا و يكون ليلا و يكون نهارا، ليكون بعدا ليكون فقرا فيكون حزنا، غدا، سأكون أو لا....
و غدا سأختفي في الضباب الكثيف المتراحل الندي البارد الهارب إلى لا مكان. غدا سأكون الأدرياتيكي غارقا في الكحلي لعلي اجدني في تريستا بعد أن مللت من إنتظار ضباب سيلة الظهر و تين سيلةالظهر و ان ينمو عرق اخضر في قرميتي الرومية الرومية من زيتون عريق أمام منزل لم أسكنه بقدر ما سكنني نحو ثلاثين عاما. غزة للرمل و النقود. في غزة فقر و مخيمات و نقود و لا يكون بحر . و في سيلتي انا جبل وسماء و زيتون و أسماء و يكون غول. وفي الزرقاء أمن و أستقرار و محاكم فتكون نقود و تكون مدينة ويكون هاتف تغلقه ابنتي الكبيرة و ابنتي الصغيرة و الأبن الوحيد في وجهي بناء على تعليمات صارمة فأكون حزنا و أكون جسدا و أكون دخانا و يكون الحزن الكوني يلف العالم بالدفء و يتركني وحيدا في العراء والصقيع. بالامس سأكون ما كنت سوف أكون . تحترق ببطء.
XI

XI
نحت على الحوّر

مزدحم كقطار ، والوجهة غير محددة منذ اضطررت للنزول أول مرة دون الاقتناع بأسباب النزول. لكن رغبة في التواضع أمام ما كان يسمى آنذاك بالإجماع الفصائلي الوطني، حسناً ، دعونا نعود لسكة الحديد أيام الأتراك أو أيام الانتداب فليس ثمة فرق كبير يذكر. حسنة شعبنا أنه لم يندفع للتخندق مع لورانس العرب- حسب الدارج من التسميات- في وادي رم أم في غير وادي رم، وهذا ليس معناه على الإطلاق أن يتخندق في صفوف نازية هتلر، فرفض خيار لا يعني الخيار المضاد كما هو معهود في العقلية السياسية الموروثة، إما الكفر أو الإيمان، لا.. حسنة شعبنا أنه لم يهاجم سكة الحديد ويحطمها،لذلك لم يكن بكبير الحاجة للينين، بل أبقاها ولذلك كانت موجودة منذ الطفولة وبدء الابتعاد عن البيت باتجاه قرية العطارة وتجارب النحت على الحِوَّار الأولى، لكن وجودها اقتضى الإحالة لما هو غير موجود والذي ظل غير موجود حتى في ظلال الاحتلال إذ لم يفكر الإسرائيليون أيضاً بتسيير قطار ما عليها، وهكذا نشأت الفكرة من واقع أصيل، غير أن القطار الأول الذي رحل بي مسافات شاسعة كان ثقافياً قبل أن يفكر المجلس الثقافي البريطاني في نهايات القرن الماضي بتسيير قطار ثقافي للكتاب يجمع كتّاباً بريطانيين مع أقرانهم من الكتاب الصينيين في الصين نفسها، وقد شاركت الشاعرة الأيرلندية في ذلك القطار، كان قطاراً ثقافياً ابتدأ بالقراءة وعربات الكتب بدءاً بما توفر لي في مكتبة مدرسة سيلة الظهر الثانوية في العامين 66-67 وخاصة حول الفن التشكيلي ومدارس الفن الحديث وليس انتهاء بما توفر لي في مكتبة حولي العامة في الكويت في أعقاب 19/6/67 مباشرة تاريخ عودتي الأخيرة للكويت، كان القطار سريعاً جداً بحيث يطوف بك في أحداث ووقائع ما سمي بثورة 23 يوليو 1952 في رواية (رد قلبي) الرواية الأولى التي قرأتها في حياتي ولينطلق بي ذات القطار نحو( خان الخليلي) و(زقاق المدق) وجميع ما كتبه نجيب محفوظ حتى عام 1969 تقريباً وإذا بي خلال سنوات التشكل الثقافي والوجداني في أحد القطارات الموصلة إلى عوالم جون شتاينبك مسافر دائم في قطار وعربات الرواية، فرنسا، أسبانيا، روسيا، رغم أن ا لعمل الفدائي الفلسطيني آنذاك كان مستعراً في الأردن ، لكن ظهور (أدب المقاومة) وشعراء المقاومة جعلني أترجل من عربات القطار الأوروبي لأمشي على سكة الحديد الأولى بدءاً بروايات وقصص غسان كنفاني وليس انتهاء بالريل العراقي، لكن مع بدر شاكر السياب تحديداً قبل مظفر النواب. كانت وتيرة العمل الطلابي الفلسطيني آنذاك تدين كل من يشغل نفسه بقراءة جان بول سارتر وكولن ويلسون، وضد كل من يركب وسيلة نقل أوروبية أو قطار الاستعمار. وما وقع هو الانشداد الدائم لغير وجهة الثقافة العالمية التي تنشد، فالعمل السياسي الفصائلي لا ينظر بكثير احترام للمثقف والفنان إلا بمقدار ما يكون له من وضع تنظيمي آنذاك، ولم يكن بمقدوري آنذاك أن أصبح فتحاوياً أو أخاً مسلماً لكن اليسار بعامة حتى ذلك التاريخ كان غامضاً ولم يصلني إلا عبر القراءة الروائية.
اهتديت حقاً إليه من خلال نهاية الثلاثية ونهاية رواية (بداية ونهاية) وهذا ما سوف يسبب لي إشكالات فيما بعد مع المحسوبين على الجبهة الشعبية وعلى الحزب الشيوعي الفلسطيني فيما بعد، أي مع من لم يركبوا سوى قطارات حقيقية يربض في كل منها ستالين تارة على شكل رجل وأخرى في مظهر امرأة . وللأسف لم اكتشف تروتسكي إلا بعد فوات الأوان، أي في بداية الثمانينيات حينما كان الاتحاد السوفيتي يحتضر ولا تفصله عن الرواية التي وقفت ضدها لأسباب أيديولوجية سوى أربع سنوات وزد على ذلك قليلاً كي نصل إلى البريسترويكا التي جاء بها غورباتشوف ليكون آخر زعماء العملاق الآخر في الشرق. كان للدكتور رجاء الدريني موقفاً آخر من رواية جورج أورويل(العالم سنة 1984) ولكنه كان متفهماً للنزعة الوطنية التي كان يحملها أبناء جيلنا. كنا على درجة من التطرف بحيث نضع أساتذتنا موضع الشبهات بالنظر لما يقررونه علينا من كتب وروايات وأشعار ضمن منهج الأدب الإنجليزي في جامعة الكويت. في بعض تلك المواقف كنت على صواب وفي بعضها الآخر لم أكن، بحكم أنني لم أكن مطلعاً على أفكار تروتسكي آنذاك لأن العمل السياسي اليومي كان شغلنا الشاغل. ولو عدت إلى عربات قطاري بدلاً من تلك التجربة التي لم تخلف لدي سوى الإحباط على كل الصعد لكان هذا أفضل، وما كان بوسعي أن أفعله. الكارثة أن تلك التجربة أي النزول من قطارك الخاص إلى قطارات وعربات الآخرين السائرة في وجهات ما كنت لتختارها كفرد بل أن الالتزام بالجموع وبالمركزية الديمقراطية آنذاك، حرف الوجهة الصحيحة لي عن الكتابة الإبداعية التي كنت أطمح إليها، وجعلني أختار بعض أسوء ما لدي من قصص وأن أضحي بقصص جميلة أحبها اليوم أكثر من كتبي المنشورة وفي نفس الوقت أفتقدها ولا أستطيع الانشغال بالتفتيش عنها لجمعها في كتاب مثلاً أو إعادة قراءتها، وأشك أن أحداً سوف يفكر في ذلك ما لم نأتِ بأعمال إبداعية كبيرة تجبر الدارس والناقد أو الباحث عن موضوع لدراسته في الماجستير أو الدكتوراه أن يتعب حقاً في سبيل ذلك. باختصار تعرضنا لتشويه مجاني في تجاربنا وفي طرق التعبير عنها مثلما تعرضنا للقمع،و الأدهى من ذلك أن بعضنا لم يساعد أو يسعف بعضنا ليس على الصعيد الإبداعي والثقافي والصحفي وحسب بل على الصعيد الإنساني والأخلاقي.
فمن كانوا شيوعيين بزوجات غير فلسطينيات وتحديداً من الدول الاشتراكية سرعان ما التحقوا ببلدان الزوجات بعد أن أسهموا في تغيير برنامج الحزب وبرسكوه دون مبرر بعد أن كانوا قد ستلنوه. نقلات أوصلت بعضهم أن أخونوه أيضاً فأية كارثة شخصية حلت بنا وأية كارثة وطنية كذلك. سوف تقودني كل هذه الإرهاصات إلى متتالياتها المؤلمة التي لم تدفع ثمناً غالياً لها سوى إلزا، فالرفاق والرفيقات ما عادوا كذلك، والقطار الذي كان يخصني مضى منذ زمن ولم يكن في محطته منتظراً لجنابي أن أتخلص من هبلي وخديعتي أو الفخ الذي وقعت به وما زال كاتماً على أنفاسي رغم أن الكثيرين علنا وجهاراً غادروه، وهكذا لم تعد إلزا هي إلزا ولم يعد هنالك أحد غير هذا المدى الشاسع الذي تمنحني إياه السخرية وليدة الحزن والأسى الهائل الذي مررت به، وإذ بي أرى صورة مرعبة للناقد غير المتسامح الذي نمى وشب بداخلي ليكيل الصاع صاعين لصبية شارع الثقافة الأردني وكل نتاجات التخلف وأحياناً أشفق عليهم لكنني عندما أدرك كم هم منصاعون لكهنتهم وعشاقا لجلاديهم ومتهافتين نحو أحلامهم الشخصية أقول حسناً أفعل بتدمير بنيانهم الهش الذي لا يمكن أن ينمو نمواً إنسانياً طبيعياً ما داموا مفرغين من الموهبة، أي موهبة أن يكونوا بشراً عاديين وبسيطين. وكل ما ظهروا لي بأقنعة الثقافة أفعل تماماً معهم ما قام به أول ناقد في التاريخ في فيلم( تاريخ العالم) في جزئه الأول لأنهم وبتحريض ممن هربوا قاموا بمهمة التصفية المعنوية لكاتب واضطهدوه بحجة واهية كونه قادم من الكويت.
ولو صدقوا في ذلك لكنت معهم، لكن عدائيتهم المجانية لشخصي بالذات تضمر كم كانوا متلهفين على دخول الكويت والعمل في صحافتها خاصة إبان الأحكام العرفية في الأردن وحرمانهم من الكتب والتفكير والقراءة آنذاك وكل ما هو حرية نسبية. كانوا جوعى لكل ذلك ويعتقدون أن بإمكانهم أن يكونوا نجوم عصرهم لو توفرت لهم الفرص التي توفرت لجيل من الكتاب والمبدعين الذين عاشوا في الكويت أو في داخل إسرائيل. إن الخطورة هي أنهم يضمرون ذلك ولذلك لم أصدقهم في ادعائهم الوطني تجاه نظام صدام حسين ولا بادعائهم تجاه العراق، إنهم أكثر هشاشة من أن يكونوا ما يدعون. بعضهم تدفق اندلاقاً على جرائد رأس المال بدءاً بالطباعين العرب ومشروع الجريدة وانتهاء بالطباعين غير العرب يركضون لا حمداً ولا شكوراً نحو التماعات النفط ثم يشتمون النفط و يضطهدون القادمين من دول النفط.
حسناً، أنا فخور في الأردن فقط أنني عشت في دولة نفط وليس في مجتمع الشفط واللهط، أما مكابداتنا ومعاناتنا وشقاء الإحساس بأنك مواطن من الدرجة العاشرة في بلد ما، فهذا ما لم يخبروه جيداً . أواه.. أيها القطار الأول... مضيت بعيداً بعيداً.
لذلك ولبعض ذلك استوجب التحليق وليس لدي اليوم مانع أبداً من مواجهة تهمة الكائن الفضائي لأنني فعلاً أرى الواقع عن بعد تماماً كما هي تقنية نجيب محفوظ بعد فراغه من(الثلاثية) كي نرى الناس بأحجامها الطبيعية وبالتالي لا نبخس الأقزام صفاتهم لأنهم لن يصدقوننا لو قلنا أن لهم قامات طويلة، وشامخة، فقد يتصادف أن يكون أحدهم ذكياً ويعتبر ذلك من قبيل السخرية وبالتالي يقع المحظور. أعرف أن ذلك قد يجافي حقائق إنسانية نبيلة لدى هنريك ابسن، ولكن من قال لك أن هكذا مندلقين وهشين ومدعين سيكون لهم علاقة بهنريك ابسن حتى بعد أن يقرؤه، إنهم لا يقرؤون وإن قرأوا لا يفهمون وإن فهموا لا يستوعبون ويتمثلون ما قرأوه، وإلا لما اضطررت لمثل هذه الكتابة دفاعاً عن الذات فقط في بلد يشكل فيه التهديد لحياتك مدعو الثقافة الذين لم يرتدوا زيهم الرسمي ولو لمرة واحدة.

لحظة افتضاح القمر S1 2004 /S وأخيه


ها أنا أتذكر لحظة من صيف عام 1986، صيف التكوين لابني البكر غسان، في دعوة عشاء ضمتني بعد ترجمتي لرواية فواز تركي بمدير تحرير مجلة الكرمل المبدع سليم بركات في منزله في نيقوسيا والكاتب محمود الريماوي قبل التحاق عائلتينا بنا بأيام، فأثناء الحديث والشواء في فضاء مفتوح، وقد كان الحديث يدور حول سعدي يوسف وجبرا إبراهيم جبرا واحتلال المواقع وربما كان جندي تركي على الجانب الآخر يلاحظنا. ما أن التفت إلى السماء حتى سقط نيزك على قلبي، فلم أخف ما وقع لي عن الاثنين.
وحتى اليوم لم يأن أوان كتابة قصة أو قصيدة أو رواية في الموضوع، ربما نسيت لأن شباط أوآذار من العام التالي كان قادماً لا محالة، ولم أكن متأكداً من قدوم غسان الذي كان فيما بعد مفاجأة سارة حيث جاء في نيسان ليجدد السؤال، لربما، أو يرثه عني كما ورثت أسئلة الآخرين كقدر محتم من أقدار كينونتي. وفي الفترة ما بين 17 تموز حتى 24 أغسطس سنة2004 بعد الميلاد تم رصد ذروتين للزخة الشهابية المعروفة بشهب البرشاويات وقال الراصد الفلكي أن ليلتي الخميس والجمعة رصد ما معدله 125 شهاباً في الساعة في مخيم فلكي في منطقة الأزرق شارك فيه نحو سبعين من هواة الرصد في لبنان وسوريا والأردن حيث تم تعريف المشاركين بأهم مجموعات ونجوم وكواكب السماء الظاهرة في ذلك الوقت من أجل إعداد التقارير وإرسالها لمنظمة الشهب الدولية والجهات المختصة وقد سرني هذا الخبر لأنه أبقى على الشهب والنيازك التي غزت قلبي طي الكتمان.(.............................)
فلست عضواً من أعضاء تلك الرحلة أو المخيم أو الجمعية الفلكية ولست عضواً في رابطة الكتاب الأردنيين ولا في نقابة الصحفيين ولا في منظمة الشهب العالمية، لكن كيف للفرحة أن تكتمل لأمثالي ببقاء الأسرار أسراري، فلم تمض أيام قليلة حتى اكتشفوا مخبأي المفضل الذي ألوذ به كلما لحظت ظهور الفك المفترس في الزرقاء التي لا تبعد مسافة كبيرة عن منطقة الأزرق الصحراوية شمال شرق الأردن، فقد تم رصد قمرين جديدين أحدهما قمري الخاص حول كوكب زحل، فلم يكفهم أنهم فضحوا 31 قمراً قبل اكتشافاتهم العلمية ليعثروا على قمري وملاذي الأخير وما جاوره، ولم يكن أخاه مطمعاً بالنسبة لي حيث كنت أخفيه أيضاً كملاذ لصديق أو صديقة محتملين، وللأسف نسيت أن أخبر الصديق جان دمو قبل مغادرته إلى أستراليا بهذا السر لأنه لم يتح لي مجالاً لذلك لسرعة رحيله ولعله على أية حال وجد ملاذاً أفضل في سماء أستراليا، قالت إدارة الطيران والفضاء الأمريكية في بيان لها أن القمرين قد يكونان أصغر الأجرام التي تمت رؤيتها حول زحل وأوضحت أنهما يبعدان 3 -4 كم تقريباً ويقعان بين مداري قمرين آخرين لزحل هما ميماس وإنكلادوس، وقد أعطيا أسماء رقمية. واليوم وبعد أن أسقط في يدي لا أدري كيف ستكون نتيجة الأربع سنوات القادمة من رحلة المسبار كاسيني إذا ما استمر يطارد أمثالي في الفضاء في حين يطاردني الفك المفترس على الأرض.
ملاحظة: المسبار كاسيني مشروع فضائي دولي تشارك به 17 دولة ليس من ضمنها دولة فلسطين وقد مضى على انطلاق رحلته في الفضاء 3 سنوات وبقي من الرحلة التي تستغرق 7 سنوات أربع سنوات فقط، وخلال ذلك وأكثر، أي خلال عشر سنوات لم يتغير شيء في خطابات الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي وعد بالإصلاح ظهيرة يوم 18 أغسطس من سنة الفلوجة والنجف، وفي ذلك الصيف كانت رؤية النجوم متعذرة تحت سماء العراق من هول القذائف واشتباك الأرواح التي تؤاخيها أرواح أخرى في سماء غزة ألدوس هكسلي.

ختيار السيرفيس

ذات ظهيرة قائظة من صيف عام 1992 صيف المتاهة الأولى قيل لي بعد مشقة السؤال أن عليّ أن أحشر نفسي في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة البيضاء التي تسمى في الأردن سيرفيس، زججت بنفسي قرب عجوز مراعياً سنه ووضعه في منتصف المقعد الخلفي وقد جنبته مشقة ارتطام حقيبتي السامسونيات بالفراغ الذي يخصه وخاصة عندما يمد يده اليمنى في جيبه لدفع الأجرة.
كنت أتصبب عرقاً لحظة مبادرته لي بسؤال مفاجئ:
* هل أنت من الضفة؟
* لا أنا من المريخ!
* أنا ساكن هناك
التفت إلى ملامحه غير مصدق أن رجلاً في سنه في مثل هذا الوقت في مثل هذه الزحمة قادر على المزاح، فسألته على سبيل مشاركته مزاحه الرائق.
* ساكن في المريخ، بيت ملك أم استئجار؟
* بل ملك.. هل أنت ساكن هناك بالإيجار؟
كنت قد استأجرت منزلاً في الزرقاء الجديدة لمدة سنتين قبل أن أتعرف على البلد وعلى الطرقات وعلى عمان التي كنت لا أزال أجهل مناطقها ومسميات أحيائها، فقلت :
* لا بل إيجار.
ثم بقيت صامتاً غير مصدق هذه السوريالية حتى لو كان بطلها سلفادور دالي نفسه، فقال:
* لماذا لا تشتري بيتاً في المريخ؟
ونظر إلى هيئتي والحقيبة محدقاً بأن قادماً من الكويت سيكون بكل تأكيد قادراً على شراء بيت فوق سطح القمر وليس في المريخ وحسب، لم أكن آنذاك أعرف أن ثمة منطقة سكنية يتكاثر بها الفلسطينيون الأردنيون تدعى (جبل المريخ) ولو كنت أعلم لاخترت موقعي الأنسب فيه قبل أن يأتي الفك المفترس على كل مدخراتي ومكافأة نهاية الخدمة في الكويت. لكن عزائي اليوم أنني وقد زرت جبال وادي رم فإنني أدركت أن إمكانية التحليق والعودة للفضاء غير ممكنة من أي جبل من جبال عمان السبعة، ولذلك لم يعد ثمة فرق أن تسكن في صحراء الزرقاء أو الأزرق أو الجبل الأبيض- وليس حقيقة بأبيض- أو الجبل الأخضر وما هو حقيقة بأخضر أو بجبل الزهور حيث عملت فيما بعد معلماً لصف خامس وغير طلابي لم أر أي زهور، وأتساءل اليوم: هل كان هذا العجوز كائناً فضائياً أيضاً مثلي لكن الظروف لم تتح والتوقيت أيضاً التعارف وتبادل العناوين ومواعيد الإقلاع والعودة ؟

الإسم الأول له ... الإسم الثاني له

(
لا إله إلا هو ) قال سائق التكسي متذمرًا : ( من وين أجيب لك فكة خمسة دنانير؟). ظل صامتا و تساءل بينه وبين نفسه إذا كان إمتلاك خمسة دنانير شقفة واحدة في يوم قائظ قد يشكل خيانة طبقية. أردف السائق: ( لماذا لم تقل لي أنه ليس لديك فكة؟) إرتبك بهذا السؤال و تحسس بينه و بين نفسه إحساسا ما، بإثم ما، قد يكون إرتكبه سهوا، ثم ألقى على المكان نظرة فاحصة أخيرة من حوله مواجها سؤال السائق بسؤال أخير:( عموما، هل هذا هو العنوان؟) فعاجله السائق: ( نعم . بالضبط هو نفس العنوان وهنا ممنوع الوقوف ) و لئلا تقع كارثة ما بسببه، قال: ( يعطيك العافية). و حالما ارتسمت على ملامحه إبتسامة الطمأنينة، إبتسم السائق بدوره إبتسامته المظفرة شاكرا بملامح كلها تأكيد على إنتصاره اليومي و إنطلق بسيارته مغادرا المكان . أما هو فتوجه نحو السوبرماركت مطمئنا بعد بحث إستغرق منه سنة كاملة عن عنوان محمود أبوالليل، صديق الأوقات العصيبة. فقرأ أسم السوبرماركت من جديد في قصاصة الورق التي بيده و قد اغرورقت بعرق الظهيرة في يوم صيفي قائظ، ثم سار متمهلا في الفتحة المواجهة و شرع يعد المباني حتى وصل لسادس بناية. تفرس في المدخل جيدا متذكرا ذات الأوصاف و من باب الحيطة والحذر شرع يعد الأدوار، فلما تأكد من حسن إهتدائه للعنوان صعد درجات المدخل مطمئنا ايضا لوجود السيارات في مصف البناية مما يوحي ان الوقت مناسب للإستفسار بعد عودة الناس من أعمالهم. أما كون الوقت هو وقت غداء فهذا ما لم يخطر بباله على الإطلاق. فالمهم انه اخيرا اهتدى للعنوان، و هذا هو الدور الرابع، و هذا هو باب الشقة المواجهة للمصعد مباشرة. ثم أن كل دور يحتوي على شقتين اثنتين ولا مجال للخطأ. إلتقط انفاسه و كتم انفعالا بالغبطة و الفرح إستعدادا لسماع صوت صديقه. ثم تشكك لبرهة في إحتمال عدم عودة صديقه من الخارج فاطمأن ، على الأقل، لزوجة الصديق، أم غسان، التي ستنقل خبر إهتدائه لزوجها الصديق، ليصار الى تحديد موعد آخر للقاء، قبل أن يضغط الجرس فوجئ بالإسم المكتوب على لافتة باب الشقة، الإسم الأول له لكن الإسم الثاني لعائلة معروفة و معرفة بأل التعريف. فكر، و هل يعقل أن يكتب إسمه الحركي على باب شقة في عبدون؟ هل يضغط بإصبعه؟ لكن اذا تبين أن العنوان خطأ فإن التسكع في هكذا أحياء لتهمة أكيدة لأمثاله . نظر للافتة الشقة المجاورة. الإسم الأول له و الإسم الثاني لعائلة معروفة. أي التباس يدور في هذا الدور. عاد الى المصعد. ضغط على زر الدور الثالث فهبط دورا واحدا للأسفل. فأستنتج أنه حقا كان في الدور الرابع. جال ببصره على لافتة الشقة المواجهة تماما للمصعد في الدور الثالث. الإسم الأول له و الإسم الثاني لعائلة معروفة. نظر الى الشقة المجاورة. الإسم الأول له و الإسم الثاني لعائلة معروفة ( سود الله وجهك يا ابا الليل . أية أسماء تجاورها ! و أي التباس ملعون يدور في هذا المبنى الفاخر ؟) عاد الى المصعد مترددا ثم تركه و هرول نازلا الدرج للدور الثاني. ليس ثمة فرق ايضا بين الدور الثالث والثاني. الشقة المواجهة للمصعد مباشرة، الإسم الأول له والإسم الثاني لعائلة معروفة . الشقة المجاورة ايضا و هدوء تام يلف الأدوار والمبنى كله. خطرت بباله فجأة عبارة محمود درويش ( عم تبحث يا فتى الأوديسة المكسور؟) عن إسم تغيره؟ لكن إسم أبا الليل إسم جميل لرفيق و صديق فهل يعقل أن يكون هو الآخر، ايضا ، قد غير اسمه ؟ لم يبق إلا الدور الأول. و لا جديد . الإسم الأول له والإسم الثاني لعائلة معروفة. عاد الى المصعد بخطوات حاسمة غير قابلة للتردد هذه المرة و ضغط بقوة على زر الدور الرابع ثم بلطف على زر الشقة المواجهة- وجها لوجه- و سمع رنة بيانو الجرس بنفسه ثم سمع بنفسه صوت صديقه الذي لا يخفى عليه يطلب من زوجته او من ابنته او من خادمته أن:( شوفي من بالباب في هذه الساعة) فانشق الباب عن ام غسان ذاتها. الملامح المتجهمة لسيدة البيت جعلته في موقع المستفسر بعد أن مضت عشرة سنوات طوال دون أن يشاهد أحدهما الآخر. و من المحتمل جدا أنه هو الذي تغيرت ملامحه في هذا الصيف الحارق. قال مبتسما:( هل هذا منزل صديقنا ابو الليل؟) و باستنكار متلعثم قالت : ( لا نعرف شخصا بهذا الإسم) . جاءه صوت صديقه من الداخل مستفسرا من امرأته: ( من بالباب؟) فردت: ( واحد بيسأل عن ابو الليل) فأستدرك هو مصححا: ( عفوا .. لست واحدا ... أنا أبو غضب ) فلمح في عينيها نظرة ود منكسر: ( ابو غضب!) فجاءهما الصوت من الداخل صامتا مظلما حالكا أن ثمة خطأ في العنوان. و بخطوة حاسمة أخيرة صعد الدرج الى الدور الخامس، رغم عدم و جود دور خامس، ليقطع الشك باليقين عندما وجد نفسه على سطح البناية ينظر للسماء مرفوع الهامة ليتأكد أن لا ليل في هذا الحي في هذه المنطقة في هذه المدينة في هذا البلد في هذا الكون. الإسم الأول له... الإسم الثاني له... الإسم الأول والأخير: أبو غضب.

XII

سيزيف عند قمة الجبل

كنت كلما حققت نجاحاً أجدني وحيداً وأكثر عزلة من ذي قبل. أذكر صيف عام 1962 كيف سمعت بذهول معزوز الأكبر مني سناً والذي ينتمي لعائلة والدتي في الحارة الشرقية من سيلة الظهر وهو يركض نازلاً الشارع يلهث منفعلاً ومن ورائه مقام النبي سيلان والتينة الموازية من جهة المقبرة على يساره وصارخاً يقول: الأول... الأول، قبل أن يفكر الشاعر محمود درويش بتلك العبارة بسنوات، الأول.. الأول، فأصبت بالذعر كونه كان يخاطب والدتي ولا يوضح المقصود بعبارته تلك، الأول.. الأول، وكنت آنذاك قد أنهيت الصف الثالث الابتدائي مع عَوْعَوْ وصَوْصَوْ وخيزرانة الأستاذ حمزة المرعبة وهي السنة الأولى التي أدرسها في القرية بعد عودتنا بسنة واحدة من الكويت التي عدت إليها أيضاً خريف تلك السنة لأتعلم السباحة والجمباز مدة سنتين وأصادق الكلب والبحر في منزل استثنائي عشنا به منعزلاً على شاطئ البحر قرب قصر الشعب. كان معزوز يقصد أنني فزت بالترتيب الأول على أبناء فصلي إن لم يكن على المدرسة آنذاك من حيث مجموع العلامات. هكذا كانت النهايات مفرحة في لحظتها الأولى وموحية بالفراغ وسؤال، وماذا بعد، فيما بعد. شعور بعدم الرضا يتكرر معي فيما بعد وخاصة في لحظة فوزي بالمرتبة الأولى في مسابقة القصة القصيرة في جامعة الكويت حيث ندمت آنذاك عندما اشتركت فيها دون أن أعلم أن الدكتور محمد حسن عبد الله والأستاذ حسن يعقوب العلي من لجنة التحكيم، ودون أن أعلم أنه كان في نية الصديقة فاطمة الناهض الاشتراك بها إلا بعد انسحابها منها. تركتني الصديقة وحيداً ، لذلك أحسست بالإهانة جراء نيلي الجائزة مرتين في الكويت .سوف يتكرر هذا الشعور بالغربة في منتصف السبعينيات عندما تساءلت ذات مرة ، ماذا بوسعنا أن نفعل ونحس بعد تحرير فلسطين؟ و"ماذا بعد؟" سؤال من الجدير أن غيري يطرحه على نفسه من الكتاب والمثقفين الفلسطينيين الذين يكبرونني سناً وشهرةً ومالاً ومكتسبات لكنني تأبطت سؤالي الأول وأسئلتي الوجودية مبكراً وكرهت الفوز والتميز الذي يجعلني وحيداً وأكثر عزلة من ذي قبل وأحياناً أكون مدركاً أنني كي لا يتكرر معي هذا الشعور الأمريكي مائة بالمائة أنجز فشلي عن سابق إصرار وترصد ما لم يكن هنالك ثمة غوغائي أهوج ويصر على التحدي فأنبري لتحجيمه قليلاً كي يدرك- أو لعله يدرك- ما هو جميل فيه مثل لوحة تراها وأنت ترسم تحتاج لخبطة لون أو لمرور الفرشاة هناك أو لتعديل في مساحة ما آخذة بالاستشراء على حساب مساحات أخرى جميلة سوف أفهم ذلك فيما بعد في دراستي الجامعية وقراءتنا لرواية فرجينيا وولف (إلى الفنار) ومن سيرة حياة الكاتبة وشقيقة الكاتبة الرسامة عام 1973، لذلك أحياناً أفكر لماذا لا يخالج هذا الشعور القادة والزعماء العرب؟ لماذا لا يتساءلون وماذا بعد؟ بل لماذا لا يفكرون بأولئك الذين يحملون صخورهم على ظهورهم في أبشع مشهد عند قدمي كل جبل في الأسفل وفي البدايات الأولى دون أي حلم أو أمل بأن يصل الواحد منهم بعد قرن كامل إلى عتبة الجبل الأولى؟ هذا السؤال راودني وأنا أغادر جريدة الأسواق الأردنية خريف عام 1993 لأركب باص البقعة لأول مرة في حياتي ولكي أشاهد هذا المخيم الذي طالما قرأت اسمه في رسومات ناجي العلي ولم أتجول آنذاك في شوارعه وأزقته وبين ناسه بعد، وهو نفس الشعور الذي دفع بي لتمزيق طلب الوظيفة في إحدى مدارس الصويفية الخاصة والحديثة رغم أنني كنت بحاجة لعمل لسنوات عدة خلت في الأردن، ففضلت العمل في مدرسة حكومية في بلدة مليح جنوبي مأدبا على أن أعمل في المدارس الخاصة التي لسبب أو لآخر قد أجدني فيها مضطهداً برأس المال لكنني أيضاً ندمت على ذلك عندما وجدت أن الدولة والتخلف بإمكانهما أيضاً اضطهادك وعدم فهمك والي&#